نزهة في العاصفة ..قصة للكاتب عبد الله سكرية من مصر

 نزْهَةٌ  في العَاصِفَةِ .. 

_ راح كلُّ راكبٍ يَجمعُ حاجياتِه بسُرْعَةٍ , فالرّياحُ نشطَتْ , واغْبرَّ الأُفقُ , وراحتِ الغيو مُ تتراكضُ , ويدفع بعضُها بعضًا , عابسةً مُتَوَعِّدةً .. واستسلمتِ الطبيعةُ لعاصفٍ طارئٍ  من البَرْد , استجابتْ له الأجسادُ والوجوهُ والأطراف ُ..

_ وينادي االحاجّ محمّدُ الشيخِ : "يا الله ياركّاب ,لننطلقْ قبلَ أن تدهمَنا العاصفةُ فمشوارُنا طويلٌ ". وفي الطريقِ إلى عرسالَ , وعلى مدى السّهلِ الذي تجتازُه الحافلةُ , ربضَتْ القرى هادئةً , والثلوجُ تتساقطُ عليها كأنْ لم تتساقطْ من قبلُ !. لقد غيّبت معالمَها شيئا فشيئا , واختفى من حولِنا صورُ الجبالِ والهضابِ , ولم يبقَ سوى الطريق ِ، حيث راحتِ النّاقلةُ تسيرُ على حذَرٍ , وفيها الركابُ يتندّرون ويتساءَلون , والثلوجُ تتراكمُ بسرعةٍ ,والريحُ يعلو صفيرُها , والفضاءُ من حول الجميع قد سُدّتْ أبوابُه بمغاليقَ تبعثُ على الخوف !.   والمشوارُ طويلٌ ..

_ وباتّجاهِ البلدةِ راحتِ السيّارةُ تصعّدُ ملتفّةً حولَ محاذيرِ الطبيعةِ , غيرَ آبهةٍ إلّا بعنادِها،وتصميم سائقِها , وهي تدوس بجدارةٍ ما تراكم في طريقها , وتصعّد على المنعطفات وتصعّد إلى أن... وليتدبرْ كلُّ راكبٍ أمرَه , فالسيارةُ عاندَتْ ! ومنعطفُ  "وادي المطلب "قاسٍ .. وكفى !!

_ كنتُ آنذاكَ في التّاسعةَ عشرةَ , عائدا ًمن زحلةَ حيث كنت أتعلّمُ , وكعادتي في كلِّ يوم جمعة , كنت أزورُ أهلي ليومَين متتاليَين , على أن أعودَ صباحَ يومِ الاثنين التالي .

وحصلَ أن تركتُ ما كنتُ أحملُ , وترجّلتُ من السيارةِ ،كما فعلَ الآخرون ..

_ واتّجهنا .. كلٌّ بدأ معركتَه منفردًا , قائمًا على همّتِه واستعدادِه , والمسافةُ طويلةٌ طويلةٌ ! والحواجزُ كثيرةٌ كثيرة ! . الريحُ زوابعُ , والأبصارُ غاشيةٌ , والطريقُ خافيةٌ , والصقيعُ يجمّد فيك العروقَ ،ويكادُ يُنسيك أنّك على قيدِ الحياةِ !  ولولا أنّك, على مدى السنوات الماضيةِ ,لم تأنسْ لهذي الطريقِ ، وتتعرفْ على منعطفاتها والمغاورِ المحيطةِ بها , لتاهتْ بك الاقدامُ , أو لشعرْتَ أنك في عالمٍ من الأشباحِ والعفاريت !! ..

_ وتمشي وتمشي , وأمرُك بيدِ الغَيبِ ؛ وقد يبستْ مفاصلُك وأطرافُك , وتجمّدَ فوق عينيك ، وتحت أنفك ، ما تهدَّل من نفانفَ ,ولا تعودُ أصابعُك تقوى حتّى على إزالتِها 

وتحمدُ الله أنك وصلتَ وحدَك إلى ظهر "رأسِ السّرجِ " وخلفَك رجلٌ واحدٌ ساعدتْه صلابتُه ،أيضًا ،على الوصول . 

ولكنْ ؛ ما أنت فاعلٌ ؟ والرّيحُ لا تَني تقذفُ بك يمينًا ويسارًا ,وتكادُ ترميك إلى جانبِ الطّريقِ ؟ في وهدةٍ عميقةٍ مخيفةٍ أيّام السّلمِ ؛ فكيف بها في هذه الحربِ الطّاحنةِ ؟


لقد اضطُررْتُ على الإنحناءِ , ثم الزّحفِ , ورحتُ أتلطّى وأتحايلُ , إلى أن قطعتُ المسافةَ , فصارتْ الدّربُ أمامي نزولًا , وبشيءٍ من الصبرِ والصمودِ , صعدت درجَ المخفرِ، وإذا بأبي "طوني ساسين " يفتحُ البابَ , ويُدخلني بكلّ معانقةٍ وترحيبٍ , ويُجلسني ما حلا لي أن أجلسَ , لأشكرَه , بعدئذ بإيماءةٍ . وأصلُ البيت ،وأفاجىء أهلي بوصولي في هذا الطقسِ العاصف ! 

وكان ترحيبٌ , وكان حمدٌ ! وكان عجزٌ عن الكلام لساعاتٍ ! ولم تُفكَّ القيودُ عن لساني إلا بعد أن أزالتْ المدفأةُ آثارَ العدوان ..

وكان أن "زربتْنا " الثلوجُ المكدّسةُ ,لاثني عشرَ يوما , اشتقنا خلالَها للشمسِ وللدّفْء وللمدرسة ..

عبد الله سكرية٠٠٠


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

عناق .. قصيدة للشاعر اليمني د. جلال أحمد المقطري

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن