الليل يربط خيله ..نص للكاتب عمران قاسم المحاميد
الليل يربط خيله/ عمران قاسم المحاميد الكلُّ سعيدٌ يا أمي، وأنا هذا الغريبُ الشريد، أمشي بين الناس كأنني سؤالٌ ضائعٌ في دفترِ هذا الزمن العجيب. لا شيء يطرق بابي سوى طيفكِ حين يجلس المساءُ على كتفي، وسوى مكتبتي وقرطاسي الذي يعرف أنني كلما كتبتُ حرفًا سمعتُ صوتكِ يناديني: آه يا ولدي الوحيد… وحدك الآن، لا صديقَ يسرق عنك بعض الحزن، ولا قريبَ يخبّئ في كفِّه بقايا دفءٍ لأيامك. أقول لكِ يا أمي: والليلُ يربطُ خيلَه أمامَ شرفةِ وجعي، كأنَّه حارسُ الذكرى يعدُّ نجومَ وحدتي ويحرسُ صمتَ روحي. منذُ رحيلكِ لم يعد للفرحِ بيتٌ في صدري، ولا للحبِّ نافذة، ولا للأعيادِ معنى. هل الطريقُ إلى وطني بعيد؟ أم أن الوطن حين يغيبُ عن العين يكبرُ في الذاكرة مثل شجرةٍ من الشوق؟ عجيبٌ هذا العمر يا أمي… ها أنا في الأربعين، لكنني كلما مرَّ يوم أعودُ صغيرًا أفتّش عن يدكِ بين وجوه الغياب. وكلما ابتعدتِ عني سقطتُ طفلًا أفتّش في زحام المارّة عن طرفِ ثوبكِ، كأنَّه آخرُ خيطٍ يصلني بالحياة. كبر الوطنُ في دمي، واحتياجي إليكِ… حتى صرتُ أشعر أنني في كلِّ يوم بحاجتكِ أكثر، يا جرحي الأكبر.