زمن الخطيئة .نص للكاتبة زهرة بن عزوز من الجزائر
زمنُ الخطيئة....
في هذا الزّمن
تخرج السّخافات من شقوق الأيّام
كما يخرج العفنُ
من جسدِ خبزٍ تُركَ طويلًا
في ظلامِ الأقبية
تزحف ببطءٍ
على وجه العالم
تتسلّق جدران الحقيقة
وتجلسُ مكانها
كأنّها الأصل
وكأنّ الضّوء
كان مجرّد شائعةٍ عابرة
هكذا يكبر الزّيف
شيئًا فشيئًا
حتّى يشيخ بين النّاس
فيتوهّم أنّه الجذر
وأنّ الأشياء
وُلدت من ظلّه الطّويل
يشتعل أحيانًا
كنارٍ على صفيحٍ ساخن
لا ليمنح قلبًا دفئًا
لا ليداوي جرحًا
أو يضيء دربًا تاه فيه العابرون
بل لشيءٍ آخر…
ليعتاد النّاس
رائحة الدّخان
ليصبح الرّماد
منظرًا عاديًا في الصّباحات
ويغدو الحريق
تفصيلًا صغيرًا
في نشرات الأخبار
وتمضي الأيّام
كسحابةٍ حبلى بالوعود
تلمع فيها بروقٌ كثيرة
وترتجف فيها رعودٌ صاخبة
كأنّها تغسل الأرض
من تعبها القديم
لكنّها
حين تمرّ فوق المدن
لا تمطرُ ماءً
بل تمطر قلقًا
وأسئلةً مرّة
وطعمًا يشبه القيء
في حلق العالم
ثمّ تمضي
ولا تترك خلفها
سوى بذور الشّك
تنبت في الحقول
وتكبر في القلوب
وتثمر خيباتٍ
لا حصر لها
في هذا المشهد
يمشي الظّلام
كما شبحٌ خرج
من قلب الشّمس
والرّمضاء تلهب الطّرقات
بسيّاط من ريحٍ سامّة
وفي فضاء المعاني
يركض هدف ضائع
كطفلٍ فقد اسمه
في زحام الأزمنة
كأنّ الضوء الباهر
لم يكن يومًا
إلّا حلمًا صغيرًا
يراه النّهار
قبل أن يطفئ عينيه
في زمن المسخ
لا تعود الخطيئة
سقوطَ إنسانٍ واحد
بل صمتَ أممٍ كاملة
ترى الحقيقة
معلّقة على خشبة العالم
ولا ترفع رأسها
هناك فقط
يتعلّم البشر
فنّ المساومة على ضمائرهم
كما يساوم التّجار
في أسواق النّخاسة
يتقنون إخفاء الحقيقة
تحت عباءة الحكمة
يسمّون خوفهم
تعقّلًا
ويمنحون الصّمت
أسماءً كثيرة
كي يبدو أقلّ خجلًا
لكن الحقيقة…
تلك الكلمة الغريبة
الّتي لا مكان لها
في إعراب هذا الزّمن
تعرف طريقها دائمًا
تغيب طويلًا
كأنّها دفنت رأسها
في تربة الألم
لكنّها لا تموت
تنهض فجأة
كشجرةٍ عنيدة
تشُقُّ الصّخر
لا تهزم
فزمن الخطيئة
ليس إلا غفوة ضمير
في قلب التّاريخ
وسوف يأتي يوم
يستيقظ فيه العالم
مذعورًا من نفسه
ينظر حوله طويلًا
ثم يسأل
كيف حدث كلّ هذا؟
وكيف تركنا الحقيقة
وحيدةً
تصرخ في العراء؟
.
الشّاعرة والأديبة الجزائرية زهرة بن عزوز

تعليقات
إرسال تعليق