ثلاثون ثانية من العد التنازلي.. قصة قصيرة للكاتب ماهر اللطيف

 ثلاثون ثانية من العدّ التنازلي

بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳


دقّت ساعة ساحة الشهداء الكبرى معلنة حلول منتصف النهار، فتضاعف عدد المارّة من تلاميذ وموظفين وعمال ومترجلين، نساءً ورجالًا، في هذه المدينة العربية الإسلامية.


كان «الملك» يتوسط الساحة، سكينًا كبيرًا في يمناه، وقارورة غاز مشلّ للحركة في يسراه. يترنح يمنة ويسرة تحت تأثير مخدرات وسموم أتقن أمثاله تعاطيها. يعربد، يسبّ، يشتم، يسلب المارّة حاجاتهم وممتلكاتهم بلا حياء، يلاحق الإناث بوقاحة، ويتعمد التحرش بهنّ جهارًا.


تعالت صرخات المعتدى عليهم طلبًا للنجدة، وساد المكان اضطراب كثيف: خوف، ذهول، بكاء، دعاء، واستغاثات متقطعة، فيما أسرع بعضهم بالاتصال بالشرطة لوضع حدّ لهذه الفوضى.


في تلك الأثناء، كانت غيداء ممددة على الأرض، لا من ثقل الجسد، بل من ثقل الإهانة.

لم يؤلمها السقوط بقدر ما آلمها صوت الحقيبة وهي تُنتزع من كتفها، كأن شيئًا منها قد سُلب معها. شعرت بأنفاسها تضيق، وبيدٍ خفية تطبق على صدرها، وعيناها تلاحقان أقدام المارّة… تمرّ، تتجاوزها، كأنها غير مرئية.


راودها خاطر خاطف:

انهضي واصرخي… أو ابقي حيث أنتِ، فالخوف معدٍ.

حين ركلها «الملك»، لم تبكِ فورًا. جاء البكاء بعدها، خافتًا، بلا دموع تقريبًا، ارتجافًا داخليًا أقرب إلى الانكسار. تساءلت — دون وعي كامل — إن كان ما يحدث عقابًا، أو قدرًا، أو مجرد عبث في مدينة اعتادت الصمت.

حاولت النهوض، فخانتها ركبتاها.


عندها تسللت إلى ذاكرتها صورة قديمة: قاعة التدريب، الأرض الباردة، وصوت المدرب يقول بحزم:

«القوة مسؤولية… وليست استعراضًا».

تذكرت القسم.

وتذكرت لماذا أقسمت.

لكنها تذكرت أيضًا إحساسًا آخر، أشد وطأة: ذلك العجز القديم الذي ظنّت أنها دفنته منذ سنوات.

مسحت الدم عن جبينها بظهر يدها، لا لتبدو قوية، بل لتتأكد أنها ما زالت هنا. نظرت حولها… الوجوه نفسها، الخوف نفسه، الصمت نفسه.

فهمت حينها أن الثلاثين ثانية التي ستمنحها له، ليست مهلة له وحده، بل مهلة أخيرة لنفسها.

إن صمتت الآن، فلن يكون الصمت خوفًا… بل قبولًا.

نهضت ببطء.

ليس اندفاعًا، بل قرارًا.


تقدمت نحو «الملك» وأتباعه، تلعب بشعرها بهدوء، لا إغواءً بل استخفافًا، تتمايل بخطى واثقة، كأنها تجرّهم إلى خطئهم الأخير، وقالت بصوت ثابت:


— أمهلك ثلاثين ثانية فقط… أنت ومن معك، لتعيدوا حقيبتي وتعتذروا علنًا.


قهقه هو وشركاؤه.

— تريثي أيتها الجميلة، الغضب يفسد تقاسيم وجهك.


— انقضى نصف الوقت، قالتها ببرود.


— توقفي عن تخويفي، لم يجرؤ شجعان الرجال على تهديدي… فهل تفعلها امرأة؟


لم يُكمل سخريته حتى كانت قدم غيداء قد ارتفعت لتصطدم بفكه بقوة، وقبضتاها تهويان على وجهي مساعديه. سقط الثلاثة أرضًا، والدماء تتناثر، فيما فرّ بقية الأتباع مذعورين وهم يشاهدون «الملك» يتلوّى ألما وصراخًا.


كلما حاول أحدهم النهوض، أعادته إلى الأرض بإهانة أشد، إلى أن دوّت صفارات سيارات الشرطة. تولى أعوان الأمن الأمر، وأوقفوا الجناة بعد معاينة الحادثة والتحقيق في مكانها.


استرجعت غيداء حقيبتها، وألقت نظرة سريعة على الوجوه المتحلّقة حولها.

لم تقل شيئًا هذه المرّة.

شدّت الحقيبة إلى كتفها، ومضت بخطى ثابتة نحو المطعم القريب.


في الساحة، كان الصمت أثقل من الصراخ الذي سبق،

وكأن ثلاثين ثانية فقط… كانت كافية ليعرف الجميع

أن القوة لا تسكن دائمًا حيث اعتادوا البحث عنها.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن

حنايا الذاكرة.. قصيدة للشاعر د. جلال أحمد المقطري من اليمن