حين يسجن الشيطان . قصة قصيرة للكاتب ماهر اللطيف

 حين يُسجن الشيطان

بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳


بزغ نورُ أوّلِ يومٍ من شهر رمضان متلألئًا في شتّى أرجاء المعمورة، مصحوبًا بصوت الحقّ المنبعث من صوامع البلدان التي استبشرت بقدوم هذا الضيف المبجّل، الحامل معه الخيرات والحسنات والعتق من النار.


وككلّ صباح، كانت جزيرة الشيطان غارقة في سباتٍ عميق، لا تأبه لما يدور على وجه البسيطة.

كانت «تنعم» بالمعاصي، و«تتفنّن» في اقتراف الشرور على اختلافها، و«تتمتّع» بأذية الغير، والنيل من كرامته وإنسانيته وشرفه، وما جاورها من قيم.


وبطبيعة الحال، كان الشيطان مقيّدًا في هذا اليوم، على غرار بقيّة جنسه في هذا الشهر الفضيل. لذلك، دبّت الحياة في الجزيرة ببطء شديد مع تنامي الشمس، وانعكاس ضيائها على أرضها وبحرها الذي يطوّقها من كلّ جانب، فيزيدها جمالًا فوق جمالها.


تقدّم الحمار نحو قصر الأسد متثاقلًا، متثائبًا، يجرّ قدميه جرًّا، والنعاس لا يزال يراوده. طلب الإذن للدخول على «جلالته» لأمرٍ جلل لا يحتمل التأخير، فقيل له أن ينتظر إلى أن يتهيّأ الملك ويستوي على عرشه الذهبي.


بعد طول انتظار، أُذن له بالدخول.

انحنى احترامًا، قبّل نعل سيّده وهو يذرف الدمع، ثم سجد أرضًا ينتظر أمره ليستقيم ويعرض ما جاء من أجله. غير أنّ الأسد كان يتكاسل؛ يتمطّى، ويؤدّي بعض الحركات، ينظر يمنة ويسرة، ويأمر خدمه وحاشيته ومن حضر بكلّ غلظة وقسوة.

أخيرًا، ألقى بنظره إلى أسفل، فرأى الحمار لا يزال جاثيًا ينتظر العفو والإذن. فرك يديه وقال في سرّه:


«أعوذ بالله من هذه الطينة… أَلَم يُقيَّد مع الآخرين؟ تبًّا لهذه الشرذمة من القوّادين».

ثم قال باستهجان واحتقار:


— هاتِ ما عندك أيّها الرَّحّاي.


— (وقد تصبّب عرقًا) هذا شرفٌ لي يا مولاي.


— (متأففًا) دعك من هذه الأساليب، وائتِ بالمفيد.


— (يبتلع ريقه) شوهد فرسُ النهر ليلةَ الأمس مع تمساحٍ قرب النهر، يسبّان جنابكم ويحرّضان عليكم بقيّة الحيوانات التي حضرت ذلك التجمّع، كما أحيت فرقةُ الديدان حفلًا صاخبًا انقلب إلى مأتم في أعقابه…


— (مقاطعًا وقد سئم) لولا نقلك لما يدور هنا، وتفانيك في هذا العمل «التطوّعي»، لما تركتك تعيش لحظة أخرى.


وتواصل الحديث عن أخبار الجزيرة، وما وقع فيها من أفعال وأقوال يندى لها جبين السامع في الليلة الماضية. ثم نادى الملك خادمه، وأمره أن يُكرم هذا اللئيم، ويمكّنه من لقمةٍ جزاء ما قدّم من «خدمة».


وبقي الأسد بعدها يسترجع ذكريات الجزيرة، حين كانت يومًا ما جنّة على وجه الأرض، يطيب العيش فيها تحت إمرته وحكمه «الرشيد».


كان ذلك قبل أن تظهر ظاهرة القوادة، أو «ردّ الخبر»، التي تفشّت بين الحيوانات، حتى باتوا يتنافسون في أدائها، ونيل رضا الملك، واتّقاء شرّه وشرّ سائر المفترسين، وعلى رأسهم النمور. فعمّ التناحر والتطاحن، وسادت الكراهية، وتفكّكت الروابط، ونجح الشيطان في زرع كلّ ذلك بينهم… حتى سُمّيت الجزيرة باسمه بعد أن تمكّن منها وممّن عليها.


غير أنّه استغرب من الذئاب والثعالب، مكرها وغدرها، وتمرّدها على خلاف البقيّة، ممّا جعله يتحيّن الفرص للانقضاض عليها والنيل منها متى سنحت الفرصة. وكان ذلك يبعث السرور في قطيع الخراف والأبقار وسائر الفرائس، التي كادت تلك «الفئة الغادرة» أن تُفنيها عن آخرها في جزيرة الشيطان.


وفجأة، ثاب إلى رشده، وعاد إلى صوابه. ابتسم، وقال بصوتٍ مسموع، بينما تعالى التصفيق والدعاء له بدوام الصحّة والملك:

«إنّ نفوس الحمير الأمّارة بالسوء أشدّ بطشًا وقسوة من شياطينها التي كانت تقودها… بل يبدو أنّ الشياطين نفسها كانت تتعلّم من هذه النفوس المريضة».



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن

حنايا الذاكرة.. قصيدة للشاعر د. جلال أحمد المقطري من اليمن