شتاء لايعرف المطر ..قصة للكاتب هيثم سيف أبو المهاب
📌 لم تكن "الرصاصة" التي استقرّت في رأسه هي الأخيرة... بل بقيت شقيقاتها قابعاتٍ في خزنة سلاحه، يتربّصن بإشارةٍ من عقلٍ لم يعد قادرًا على اتخاذ قرار، وينتظرن كفًّا غير مترددة لتحرّرنهنّ من أسرهنّ، بعد أن تخلّت عنهنّ كل إرادة... فتنطلقن نحو مستقرّهنّ الأخير.
لم يمت حين ضغط الزناد، بل كان ميتًا بالفعل، منذ أن انفضّ عنه كلُّ ما يستحقّ الحياة...
أراد، بغريزة البقاء، أو ما تبقّى منها لديه، أن يبرهن لنفسه أنه ما زال قادرًا على اتخاذ قرار، حتى لو كان إطلاق الرصاص على رأسه. أراد أن يمضي، أن يرحل، أو يتحوّل إلى بقايا طيفٍ عابر، يجول بخاطر أحدهم؛ إذ لم يعد البقاء يعني له سوى سرمدية العناء التي لا انتهاء لها.
لقد استقرّت الرصاصة في نقطةٍ ما داخل جمجمته... لا تراها العين في صور الأشعّة، لكنها ظاهرة في وعيه؛ هناك، حيث يلتقي الماضي بالمستقبل فيما يُسمّى مجازًا "الحاضر"، وكان هو أيضًا يُسمّى مجازًا "الحاضر".
كان كبذرةٍ دُفنت في أرضٍ خصبة، لطالما ضنّت عليها السماء بالمطر، فلم تُثمر إلا قطيعةً معرفيةً واهية؛ لم تمحه من الوجود، بل فصلته عن كلِّ ما كان، ومنعت كلَّ ما يمكن أن يكون.
ومنذ تلك اللحظة... صار في حِلٍّ من قيود الزمان، وبات على هامش المكان، بالكاد يسكن شقًّا ضيّقًا بين الذكريات والمصير، الذي هو نفسه... لم يُقضَ بعد. ✦
" مقططف من رواية "
شتاء لا يعرف المطر
✒️ أبو المُهَاب
هَيْثَم سَيْف

تعليقات
إرسال تعليق