الوقت ..مقال للكاتب السوري رامي بليلو

 منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض وهو في سباق مع فكرة لا تُرى ولا تُمس لكنها تسكن في كل شيء من حوله


 #الوقت 

هذا الكائن الصامت الذي ينساب بين الأصابع كما ينساب الضوء في العتمة لا يُمسك ولا يُحبس

 لكنه يحدد ملامح وجودنا ويصوغ تاريخنا ويمنحنا وهم السيطرة في حين أنه السيد الخفي على كل حركة وسكون


"#الوقت٠٠٠زمان٠ومكان"


بقلمي ✍️ 


الوقت ليس مجرد مرور الساعات ولا تعاقب الأيام بل هو البعد الذي تتجلى فيه الحركة وتتكون فيه ملامح الوجود هو الزمان في امتداده والمكان في تجلياته لأن كل لحظة زمنية لا تُدرك إلا من خلال موضع وكل موضع لا يُحس إلا في لحظة فالوقت ليس خطًا مستقيما كما اعتقد الإنسان القديم بل دائرة وعي تتسع بقدر ما نتأملها وتضيق بقدر ما نهرب منها


يقال إن الوقت يشفي كل شيء ولكن النصف فقط من العبارة يستقيم فالوقت لا يملك عصا سحرية تشفي الجرح أو تمحو الألم بل يمنحنا الخبرة التي تجعلنا أكثر ألفة مع الجرح نفسه إنه المعلم الصامت الذي لا يضمد بل يربي ومع مرور الأيام لا ننسى وجعنا لكننا نتعلم كيف نحمله بكرامة وكيف نعيش معه دون أن يلتهمنا فالزمن لا يشفي بل يوقظ فينا القدرة على الاحتمال


أما عن الحرية فكم من إنسان يعيش واقعه جسدًا لكنه أسير لمشاعر قديمة لألم لم يغادر أو لحب لم يكتمل الحرية الحقيقية ليست أن تسافر بعيدًا أو تمتلك قرارك بل أن تحرر مشاعرك من قبضة الماضي حرر ذاتك من الحزن حين يطول ومن الفرح حين يقيدك ومن الغضب حين يعميك لأن كل شعور حين يستبد يصير قيدًا جديدًا على الروح والوقت حينها لا يمر بل يتجمد


الوقت لا ينهي كل شيء كما يتوهم البعض بل ينقلنا من حالة إلى أخرى من إدراك إلى أعمق ومن جرح إلى نضج فكل نهاية زمنية ليست موتًا بل تحول لذلك فإن الذين يرون أن الوقت ينهي كل شيء يغفلون عن حقيقة أن ما ينهيه الزمن هو شكله لا جوهره فالمعاني تبقى تتبدل ألوانها لكنها لا تفنى


من هنا يصبح السؤال الأعمق ليس كيف نقضي الوقت بل كيف نسكنه فإدارة الزمن ليست بتقسيمه على مهامنا اليومية بل بملئه بالمعنى من يملأ لحظته بالفكر أو الفن أو الحب فهو من جعل للوقت وجهًا آخر أما من يبدده في الركض وراء اللاشيء فقد سمح للزمن أن يمضي من دونه


ولمن يهدر وقته سدى أقول إنك لا تهدر لحظة من الوقت بل تهدر جزءًا من نفسك لأن الوقت ليس خارجيًا عنك بل أنت امتداده في الوعي والحركة كل دقيقة تذهب بلا معنى هي صفحة من عمرك تطوى دون أثر فكن شاهدًا على مرور الزمن لا ضحية له واصنع من لحظاتك معنى يليق بوجودك


ختاماً

الوقت ليس عدوا كما يظنه البعض ولا صديقًا كما يتمناه آخرون إنه مرآة الوعي الإنساني إن أحسنت النظر فيها رأيت نفسك متجددة في كل لحظة وإن أعرضت عنها غابت صورتك في ضباب النسيان فلتكن سيد وقتك لا تابعه وازرع في ساعاته ما يستحق أن يبقى بعدك


بقلمي 

✍️ رامي بليلو٠٠٠هولندا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

عناق .. قصيدة للشاعر اليمني د. جلال أحمد المقطري

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن