استطلاع الشارع بين حكمة الدول ومقامرة الساسة ..مقال للكاتب رامي بليلو من سورية
/#استطلاعُ٠الشارعِ/
(#بَينَ٠حِكمةِ٠الدُّولِ٠ومُقامرةِ٠السَاسَة)
في الأزمنةِ التي تتداخلُ فيها خرائطُ النُّفوذِ وتَتَعَقَّدُ مساراتُ السِّياسةِ تسعى الدُّولُ إلى قراءَةِ نَبضِ شُعوبِها بِوَسائلَ تُظهِرُ مَدى نُضجِ الوعي العام واتجاهاتِه.
غير أنّ الفارقَ الجوهريَّ يكمنُ في طبيعةِ الأداةِ المُستَخدَمة فهِناك مَن يَقيسُ الرأي لحمايةِ الدَّولةِ وهُناك مَن يَدفعُ الناسَ إلى امتحانٍ قاسٍ لانتزاعِ الجوابِ من الشّارع لا من صُناديقِ الاقتراع.
ومن هنا تَنبثِقُ الأسئلةُ التي يَطرحها هذا المقالُ حول ما يجري في عالَمِنا العربي
وما النتيجةُ التي يُرادُ الوصولُ إليها عبر هذا الطَّريقِ الوَعِر.
/#استطلاعُ٠الشَّارعِ/
(#بينَ٠حِكمةِ٠الدُّوَلِ٠ومُقامَرةِ٠السَاسَه)
تختلفُ الوسائلُ التي تَستَعمِلُها الجَماعاتُ والأوساطُ السِّياسيةُ والدُّوَلُ وأجهزةُ المُخابراتِ في مَعرِفةِ مَدى نُضجِ فكرةٍ ما في الشَّارعِ أو مَستوى تفاعُلِ الدَّوائرِ المُهتمةِ بقضيّةٍ مُحددةٍ في أيِّ بُقعةٍ من بُقاعِ العالَم
في الدُّوَلِ المتقدِّمة تُسنِدُ الأحزابُ السِّياسيةُ مهماتِ قياسِ شَعبيَّتِها إلى مراكزَ بحثيَّةٍ مُتخصِّصة ويُعدُّ ذلك اسْتِطلاعًا للرأي يُظهِرُ تَوَجُّهاتِ النّاخبين. في هولندا مثلًا استقالت الحكومة بعد أن أظهرت الاسْتِطلاعاتُ ارتفاعًا كبيرًا في شَعبيّةِ حزبِ أقصى اليمين بزعامةِ خِيرت فيلدرز. فاستقالَ وزراءُ الحزب أمَلًا في انتخاباتٍ مُبكِّرةٍ تمنحُهُم أغلبيةً واسعةً في مجلسَيِ الشُّيوخِ والبرلمان
غير أنّ الرِّياحَ لم تَجرِ بما اشتهى قادةُ الحزب. فمع بداية الاستعداد للانتخابات انقلبت المؤشراتُ وتراجعت الشَّعبية بفعلِ أخطاءٍ سياسيةٍ مُتراكمة. وعند بلوغِ يوم الاقتراع جاءت الصَّدمة إذ خَسِرَ الحزبُ أحدَ عشرَ مَقعدًا مقارنةً بالحكومةِ السابقة
أمّا في بِلادِنا وهُنا بيتُ الفِكرةِ فإنَّ مراكزَ البحثِ تُستَبدَلُ بما يُشبهُ مُختبرًا مفتوحًا في الشَّوارع ويُصبحُ الاسْتِطلاعُ فِعلًا يَمسُّ أرواحَ الناسِ وممتلكاتِهِم. وتتحوّلُ النتائجُ إلى كوارثَ تَنزلُ على رؤوسِ العبادِ والبِلادِ التي لم تَنعَمْ بالأمن خِدمةً لأجنداتٍ تَسعى إلى حمايةِ الأزرقِ ومستقبلِه في شَرقِه الأوسطِ الكبير
ويبرزُ السؤالُ الأساسِي
ما النتيجةُ التي يُريدُها مَن دَفَعَ البِلادَ إلى اسْتِطلاعِ رأيٍ يُجرى في الشّوارع لا في المؤسّسات ونحن بلا انتخاباتٍ تكشِفُ المزاجَ الحقيقيَّ بوسائلَ سلميّة
تذكَّروا أن وسائلَ بدائيةً قد استُخدِمَت يومًا لقياسِ اتّجاهاتِ الناس وكانت أقلَّ كُلفةً في المالِ والأعمالِ والدِّماءِ والأرواح مما نراه اليوم
وإذا كان السؤالُ اليوم هو اختِبارُ جَهوزيّةِ البِلادِ للحربِ الأهليّةِ والانقسام فإنَّ السؤالَ الأعمقَ غدًا سيكون عن قُدرةِ شَعبٍ مُنهَكٍ على النُّهوضِ من تَحتِ الرُّكام. فالدُّولُ لا تُقاسُ بمَدى احتمالِها للصِّراع بل بقدرتِها على مَنعِ اشتعالِه. وإن أخطأت الأطرافُ كلُّ الأطرافِ في قراءةِ الواقع وأهمَلَت صوتَ العَقل فإنّها لن تُطلِقَ استطلاعًا للرأي بل شَرارةً تُحرِقُ ما بَقيَ من وطن. والوعيُ هنا ليس ترفًا بل آخرُ حُصونِ النَّجاة.
بقلمي
✍️
رامي بليلو – هولندا

تعليقات
إرسال تعليق