قبل أن تشرق عيناك ..جزء من رواية للكاتب سداد العراقي من العراق

 الى كل الاحبة مع المحبة


مساؤ


كم ورد


اكمل اياكم القصة


قبل أن تشرق عيناك


الفصل الثاني: الزاوية التي تنتظرهما


مرّ اليوم ببطءٍ غير معتاد على ليان.


عادت إلى شقتها، رتّبت أشياءها، أعدّت طعامًا خفيفًا، وحاولت أن تشغل نفسها بأي شيء، لكن صورة ذلك الصباح ظلت تتسلّل إليها دون استئذان. لم يكن الأمر افتتانًا سريعًا، بل فضولًا هادئًا، يشبه سؤالًا تُرك بلا إجابة.


في المساء، جلست قرب النافذة، تراقب انعكاس الأضواء على زجاج المباني المقابلة. تساءلت، دون أن تعترف لنفسها صراحة:


هل سيعود؟


ثم ابتسمت بخفة، كأنها توبّخ هذا السؤال على جرأته.


في اليوم التالي، دخلت المقهى في التوقيت ذاته تقريبًا. لم تفعل ذلك عن قصد — أو هكذا أقنعت نفسها. نظرت تلقائيًا نحو الزاوية القريبة من البيانو الصغير الموضوع للزينة، ولم تجده. شعرت بخيبة خفيفة، سرعان ما حاولت إخفاءها بابتسامة ساخرة.


جلست، طلبت قهوتها، وفتحت دفترها دون أن تكتب.


وبينما كانت تحدّق في الصفحة البيضاء، سمعت صوت الكرسي المقابل يُسحب بهدوء.


— صباح الخير.


رفعت رأسها ببطء… وكان هو.


آدم، بالهدوء ذاته، والابتسامة نفسها التي بدت وكأنها لم تغادر وجهه منذ الأمس.


— صباح الخير، قالتها وكأنها تُعيد جملة محفوظة.


جلس، ووضع معطفه على ظهر الكرسي، ثم قال:


— لم أكن متأكدًا أنك ستأتين اليوم.


أجابت، محاولة أن تبدو طبيعية:


— ولا أنا.


ضحك بخفة، ضحكة قصيرة، لكنها كسرت المسافة بينهما.


سادت لحظة صمت أخرى، لكنها هذه المرة كانت أدفأ.


— هل تجلسين هنا دائمًا؟ سألها.


— حين أحتاج أن أرتّب أفكاري.


— إذن… يبدو أننا نحتاج الشيء نفسه.


بدأ الحديث يتسلّل بينهما، ببطء، عن أشياء عادية:


المدينة، العمل، الكتب التي لا يُكملان قراءتها، والأغاني التي تعلّق في الذاكرة دون سبب واضح. لم يتعمّقا، لكن كل جملة كانت تفتح نافذة صغيرة نحو الآخر.


لاحظت ليان أنه لا ينظر إليها كثيرًا وهو يتحدث، بل يكتفي بنظرات خاطفة، كأنه يخشى أن يُقرأ بسهولة. أما هي، فكانت تنصت أكثر مما تتكلم، تشعر بأن صوته يحمل طمأنينة غير معلومة المصدر.


حين نهضت لتغادر، قال فجأة:


— هل ستعودين غدًا؟


ترددت لحظة، ثم قالت:


— إن لم يحدث ما يمنع.


ابتسم، وكأن الإجابة كانت كافية تمامًا.


خرجت ليان من المقهى، والقلب في صدرها أخفّ مما كان.


لم يحدث شيء كبير…


لكنها شعرت أن تلك الزاوية الصغيرة لم تعد مكانًا عاديًا.


كتبت لاحقًا في دفترها:


«بعض اللقاءات لا تغيّر حياتنا فورًا… لكنها تضعها على طريقٍ مختلف.»


بقلمي: سداد البغدادي (القلم الجريح)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

عناق .. قصيدة للشاعر اليمني د. جلال أحمد المقطري

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن