العشق إيمان .. قصيدة للشاعر سهيل العبيسي
( العشقُ إيمانُ )
جـارَ الزّمــانُ ويــا لِجورِ زمانـي
وأَبَيـْـتُ في هذا المكانِ مكانـي
مَنْ راحَ يسألُ: أين تُقضى ليلتي ؟
وَجَــدَ الفلاةَ مَعَ الأسى عُنوانـي
ألَمي الذي في النفسِ يرقدُ جَفنُهُ
دهري عليَّ بـهِ قـضـى لِـهـَواني
ما لي أُساوَمُ بالشَّـقـاءِ وَعَـيشِـهِ ؟
لـَكـأنَّ لي ذَنْـبٌ وقـد أشقـانـي
يا صـاحِبَيْ مهلاً لكُمْ وقِـفا مَـعـي
لا نَـبْـكِ كالـْشـُّعْـراءِ في الأزمـانِ
نطوي الهمومَ وما احتوتْ ، نقضي
الشَّـبابَ وحقَّهُ في العيشِ لو تَقِفانِ
لا تعْجَبوا من صورتي في حاضري
فالـدَّهْـرُ أضـْحَـكَـنـي وقد أبْكاني
يـا صـاحِبَيّ تـأمَّـلا الدُّنـيـا مَـعـي
وَتـكـَلـَّـمـا فـي حـكـْـمَــةٍ وَبَـيـانِ
لا تـُـؤْخـَذُ الدُّنيا خلـيلـَةَ عاقِـلٍ
هـيَ خُـلْقُ غـانــِيـَــةٍ مَـعَ الخـِلاَّنِ
يَـتـألَّـمُ الرَّجـُلُ الوَفِيُّ إذا شُـقيْ
وإذا رأى الـدُّنــيـــا مَـعَ الْخـَـوَّانِ
والمُرُّ أن تمضي الحياةُ معَ امرءٍ
وزِنِ الخـفـيفِ وأبخسِ الأثـمـانِ
تـَحـْلو لـنا اللوحـاتُ في ألوانِهـا
ونرى الـدُّنـى تـحـْلو مَعَ الألــوانِ
قــد غـَـرَّكُـمْ أبنـاءَ آدمَ عَـيـشُهـا
فـَـتـَرونـها فـنـًّـا مِـنَ الإتـقــانِ
قالـوا نصيبـي في الجنوبِ مكانُهُ
وَلـتــَلـَّـةِ الحَمـُّـورِ قدْ أقـْصـاني
قلتُ النـَّصيبُ مُقَـدَّرٌ في خَطوِنـا
والنّـفـسُ تـَرضـاهُ مَـعَ الإيــمـانِ
اللهُ شـاءَ ونـحـنُ نـتــْبَـعُ أمْـــرَهُ
فــإذا أرادَ مـُـحـالُ لــلـْعِـصـيانِ
إنـي تـَعـَـوَّدتُ الـرَّحيلَ ونـادَمَتْ
عيني لـَيـالـي البـُـعْدَ والهِـجـرانِ
الليلُ في وادِ يُقـالُ لــَـهُ الـيُـتـْـمْ
مــا مِثـلـُـهُ قد مَـرَّ أو لـَـهُ ثـــانِ
حولَ الـيَـمينِ تـلـفــُّـتي وشماليا
يَـمْحـوا سَوادُهُ سـائِــرَ الألــوانِ
لا الوحـْشُ يُـؤنـِسُـهُ ولا قَـمـَــرٌ
يُطالِعُهُ ولا بـالبـيـتِ لِلـعِقـبـانِ
لـولاكَ يـا صبري لـَمِتُّ تـألـُّـمـًا
وَعَـصَيتُ لولا القلبُ عنهُ نـهـاني
أبْـكاكِ يا عيني رحـيـلـُكِ عَنهُموا
وَنـُـزولـُــنـا أرضــًا بــلا أفـنـانِ
عطشـانُ لا مـاءٌ يـُـبَـلـِّلـُـني وذا
صـابُ الحـياةِ كؤوسَـهُ أسـْقـاني
أَسَفي على أهلِ الهوى يوم النَّوى
تبْـيَّـضُّ أعْيُنـهُـمْ مـن الأحْــزانِ
تشقى قلوبُ العاشقينَ بعشقِهِمْ
وإذا نـَؤوا قـُتِـلوا من الـحِرمـانِ
طوبى لِمَـن سَكَنَ الأحـبَّةُ جـَنـْبـَهُ
وبـِحَـسْرةٍ مَن عاشَ في حِـرمانِ
لــو أنَّ لـِلدُّنـيـا فـؤادًا لـمْ تــَدَعْ
قـلـبـًـا يـُـودَّعُ من فــؤادٍ ثـــانِ
لكنَّ حِـكـمَـتَها قَضَتْ أنْ لا يكـون
بـِعـِيشِها إثــنــانِ يَـجـْتَـمِعــانِ
يا قلبُ ما لـَكَ خافِقـًا متوثــِّبـًا
أأتـَتـْكَ ذِكراهـا منَ المـيـدانِ ؟
لَعِبَتْ بـكَ الدُّنـيا فعُدْتَ مُلوَّعـًا
ولَظى الصـَّـبابةُ فيكَ في ذَوَبــانِ
أهلَ الهوى قلبي أنـا لَـمُـعَذِّبـي
إنْ بالأحِبـَّـةِ هــامَ لا يَـنـسانــي
وإذا هوى الماضي يَمُرُّ خيـالُـهُ
بالشَّوقِ هَبَّ وكالقتـيـلِ رَمـانـي
يا طائِرًا مثلي بعيدًا هـا هـُنـــا
تبكي وأنـتَ تـَجُـوبُ كلَّ مَكــانِ
عَجَـبًا أرى أنَّ المُقـيمَ صابِــرٌ
وبـذا المكانِ أرى الطــَّليقَ يُعاني
يا طيرُ كُفَّ عنِ البُكاءِ وَغـَنِّ لي
واطـْرِبْ بعيـدَ الــدَّارِ والخِــلاَّنِ
إني أُحَـمِّـلُـكَ السَّـلامَ لِـحُـلوَةٍ
قلـبي هـواهـا والهوى أضـنانـي
جَمَعَتْ بـِنا الأقدارُ يومًا والتقى
في الدَّهرِ عُصْفورانِ عالأغـصانِ
فاحْمِلْ رِسالةَ عاشِقٍ دَنـِفٍ بهـا
واذهَبْ لـها بـِرِعايَـةِ الرَّحْمـانِ
مــا صِرْتُ غيرَ مُتــَيَّـمٍ أضـْـنـاهُ
حُبُّ حَـبيبِـهِ والقلبُ في خَفـَقانِ
فكَـتمْتُ لكنَّ المُحـِبَّ إذا تَكَتَّمَ
فـي هـواهُ تــبـوحـُـهُ الـْـعَـيـنانِ
يا حِبُّ طيفُكَ في الكرى قد زارني
طـيــفٌ شـعَرتُ بهِ كَمَـرِّ ثــوانِ
ما كان في جُفُني يـُقـبِّلُـني الـكرى
فإلى لِـقـاكِ لِـقاهُ مـنـِّي دانـــي
يا حِبُّ إنَّ الشَّوقَ يُضرِمُ أضلـُعي
وَلـَظى جـَهـَنـَّـمُ مِثـلُها نـيـراني
لو أنَّ قلبي مالَ عنكِ لَـضلَّ عـن
طُـرُقِ الرَّشادِ وعامَ في الأحـْـزانِ
أقسَمْتُ لا حُبّ لِغيركِ ضَمـَّنـي
أو غير إسْمِكِ في دَمـي ولِسانـي
فـأنـا الوَفـيُّ وليس عـهـدي إذا
عاهَـدتُ إنـسانًـا من النـُّقصانِ
ما حاجتي ريحَ الجـنـوبِ سـوى
مُقابَلـَـةٍ تـُبـرِّدُنـي من الغـليانِ
ريحَ الجنـوبِ أمانةٌ أنْ بَـلــِّـغـي
حرَّ السَّـلامِ وَخـبـِّري بـمـَـكـانِ
قـولــي لها صبـرًا أقـولُ ، فــإنَّ
عـادَةَ دَهْـرِنا بالغَـدرِ والدَّورانِ
إني لأذكـُرُ سـاعـةً يـومَ النــَّوى
أنـِّي أُشـيـِّـعُ عـندها وجـْـداني
والنَّـارُ من قلبي تـُصافِحُ نـارَهـا
فـكـأنــَّنـا كالشـَّمْعِ يَـحْتَرِقـانِ
جالسْتُهـا والمِسْكُ بعضُ دمائها
وأريـجُهـا في الوردِ والـرِّيـحانِ
لا مِثـلُها أو قـبلها أُنـثى تجلّى
حُـسنُهـا ويُـرا بـها الـْـقـَمـَرانِ
وَدَّعْـتُها والـدَّمْعُ بَـلـَّـلَ جَـفنَها
فَبَـكـيتُهـا وَبَكـَتْ لِسوءِ زمـاني
فتَرَكتُ روحـي عندها في لوعَـةٍ
ومُسافِـرٌ جـسدًا بـلا روحــانِ
رُحْمـاكَ ربِّي من فِـراقِ خـلـيلةٍ
في أضلُعـي اسْكنتُها وجَـنانـي
ما حاجَــةُ المَكـلومِ في دُنـيـاهُ
غير سُؤالـِهِ الله عن الغـُفــرانِ
…………………سهيل العبيسي


تعليقات
إرسال تعليق