مرآة اللاجئ..نص للكاتب السوري زاهر درويش

 "مِــرآةُ اللاّجِــئ"


رَأَيتُهُم أمامي فَعَرَفتُهُم

رأيتُهُم كَمِرآةٍ...

و لكن بِلا انعِكاس...

لَم أجِد نَفسي...و لَم أَجِدهُم

لَم أجِدْ نَفسِي بَينَ غَياهِبِ أفكارِهم

و لَم أكُن صَوتاً لآهاتِهم

ولا مِنبَراً لِكلِماتِهم

لَم أَكُن تَنهيدةً ولا نَفَساً ولا نَبضاً لَهُم

بَل كُنتُ ظِلاًّ على انعِكاسِ مِرآتِهم

كالَّذي غادَرَ مُسرِعاً و نَسِيَ ظِلَّهُ

أَو كمن تَرَكَ بَينَهُم ذِكرى لَعلَّهُ يَعُود...

و لَكنِّي لَم أكُن أيَّ شيءٍ بِالنِّسبةِ لَهُم

لَم أكُن...!!

و ما كُنتُ إِلاّ كمُتطفِّلٍ، و مُزعجٍ، و كَقِطعةِ أغلال...

أو كَمن سَيُطفِئُ سِراجَ قَلبِهِم...

رَأوني مِثلَ سَجَّانٍ بِالسِّجنِ يُخيفُهُم

أو مِثلَ جلاّدٍ يُلوِّحُ بِالسَّوطِ أَمامَهُم

و لكنَّني ما كُنتُ كَذلِك...

ما كُنتُ إلاّ انعِكاسَهُم

و ما كُنتُ إلاّ صَوتَهُم الَّذي لا يَبلُغُونَهُ

ولا يَسمَعُونَهُ...

ما كُنتُ إِلاّ مرآتَهُم...

ما كُنتُ إِلاّ مرآتَهُم و لكن بِانعِكاس

أتُدرِكُونَ الفَرقَ بَينَ مِرآتي و مِرآتِهم؟

مِرآتي عِندما أنظُرُها أجِدُ نَفسي...

نَــــــــــــعــــــــــــم...

أَجِدُ نَفسِي رغمَ تَشتُّتي، رغمَ ضَياعي، رغم غُربَتي، رغمَ شَمعَتي الَّتي انطَفَأت...

ولا تَجِدُونَ غَير سِوايَ في انعِكاسِها

أمَّا مِرآتُهُم...!!

بِانعِكاسِها أجِدُ بِها أُمَّةً كامِلَةً، أَجِدُ أقواماً تَتَوالى، و أَجيالاً تَتَشكَّلُ

و أجِدُ أَحاديثاً و أَقوالاً و أفكاراً تَتَهادى و تَتنقَّلُ

مِن جـــمـــعٍ إِلى جـــمـــعٍ

و عَقلٍ إِلى عَقلٍ...و إِلى الغِيابِ...

و لَكن مَهما طَالت أنظارُهُم في تِلكَ المرآةِ

لا يَجِدُونَ أنفُسَهُم!!!

لا يعثُرُونَ على هيئَةٍ أو حتَّى انعِكاسٍ بَسيطٍ لَهُم

بَل فَقَط أَجِدُ قَطيعاً كامِلاً يَتَحدَّثُ

أجِدُ الجَميعَ يَتَحدَّثُ

إِلاّ صاحِبَ تِلكَ المرآةِ...

وأَنا صاحِبُ تِلكَ المرآةِ...أَرنُو

أَرى وَجهي يَتَقطَّعُ في زُجَاجِها

بينَ وَجُوهٍ تَتَدافَعُ...تَتَلافعُ

كاللُّجينِ المُذَابِ على مِصباحٍ

يَشتَعِلُ بِذَاتِهِ...ثُمَّ يَخبُو

فَمرآتِي تَراني حَيثُما حَلَّقتُ فوقَ السُّحُبِ

 تَـــــــــــحــــــــــــــــتَ الغُيُومِ 

تَرسُمُ الْهواءَ و تعرِفُ أَنَّ الحُريَّةَ الحقَّ

هي انعِكاسُ رُوحٍ على مِرآةِ الوُجُودِ

لا خَـــــــــــــــــوفٌ ولا وَهـــمٌ

أَمَّا مِرآةُ الْقَومِ تَحبِسُ طيرَها

فِي قَفصِ القُيُودِ المَسمُوعِ و المُلَقَّى

إِلى مــــــــتـــــى...؟

إِلى مَتى يا سائِر أُمَّتي سَتبقَينَ هَكذا؟

لا أَدري...ولا أَدرِي...ولا أَدري

فَلماذا أَذكُرُ التَّحليقَ الآن؟

لأَنَّني أَعرِفُ أَنَّ في أَعناقِكُم

أَغلالاً مِن رَصاصِ الصَّمتِ...و الخَوفِ

و لِكلِّ غُـــــــكــــــِلٍّ مِـفـتـاحٌ...

و لـــــكـــــن...

إلى متى تَرفُضُون أَن تكُونُوا مفاتِيح؟

كُنّا كالطُّيُورِ ذاتَ يومٍ

حلَّقنا...و تحرَّرنا

و عِندَما هبطنا...

لَم يُحلِّق سِواي آخَرَ في تِلكَ السَّماء

فَحَثثتُكُم مِراراً: عاودُوا...عاودُوا التَّحليقَ

و اخرُجُوا مِن سُجُونكُم

و تَمرَّدُوا على راعِيكُم

فَقُلتُم لي إِنَّكُم بلا جَناحينِ

و لَم تُحلِّقُوا يوماً في رُبُوعِ تِلكَ السَّماء!


الكاتِب و الشّاعر زاهر درويش 


#زاهر_درويش #المغترب #شعراء #شعر #الحياة #الانسان #التأملات #فلسفة #الوجود #التناقض #الحقيقة #الصمت #الضوء #الغربة #الشوق #اختلاف #الشعرالعربي #مذكرات #الغياب


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

عناق .. قصيدة للشاعر اليمني د. جلال أحمد المقطري

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن