خلف جدار الصمت ..سرد للكاتبة فريدة الجوهري من لبنان

 خلف جدار الصمت

ما زلت أتمدّد على الكنبة المهملة في غرفة المعيشة كمن عاد من سباتٍ طويل ،ساكنة أنا  كأهل الكهف حين يفركون أعينهم في دهشة العالم بعد غيابٍ لا يُقاس بالسنين. أتململ ببطء، أبحث عن يقظةٍ تشبهني، أفتح عينيّ على فراغٍ يحدّق بيّ أكثر مما أحدّق فيه. أرنو للحياة كمن يختبرها للمرة الأولى، أحمل الليل المتراكم فوق صدري وأقذفه في زوايا النسيان، علّ الضوء يجد طريقه إلى ذاتي.


يتسلّل الفجر إلى رئتيّ بحذر، أتنفسه باستغراب، وكأن الهواء نفسه يتحسس وجودي. أفتش بين ضجيج الأيام عن "لأنا" الضائعة. تلك التي تاهت في زحمة الوجوه والانشغالات. ثقيلٌ على كتفيّ معطف الأيام يبطئ حركتي يجرّني إلى الخلف وكأن ما بينه وبين عالم الماضي عهد قديم. ينفي روحي عن ذاتها، ويصفعني ببرودة الغربة كلما حاولت التقدّم إلى الأمام.


في داخلي يثور تراكم الأشياء، تنتفض على صمتي القابع في العتمة، تتذمّر، تلوم، تعترض سبيلي. أحاول تهدئتها، أُجلس ثورتها على كرسيّ جانبي، لكنها ما تلبث أن تغرق وحيدة في غربتها. كم هو موجعٌ أن تُبعدك الأيام عن عناق الأحلام أن تُسقط المسافات بينك وبين الدفء، بلا موعدٍ ولا وعدٍ بالعودة.


وعندما تُقلب الطاولة فوق رأسك، عندما يتبدّل كل ما كنت تظنه ثابتًا، تختل الموازين، يتمدد الوجع مرتديا ثوب التساؤل ... فأهرب من تحرّش الأفكار، من ضجيجها الذي يلاحقني حتى في لحظات السكون. أخفي وجهي خلف جدار الصمت، لا ضعفًا، بل حفاظًا على تلك الكوة من النور المختبئة في أعماقي…وعلى  تلك الصرخة التي لا أريد لها أن تنفجر .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

عناق .. قصيدة للشاعر اليمني د. جلال أحمد المقطري

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن