ولادة من رحم الألم..نص للكاتبة صباح خالد من العراق


 ولادةٌ من رحمِ  الألم 


أَتَظُنُّ أنَّ الصَّمتَ مَوتٌ؟ لا يُمِيتُ الصَّمتُ إلَّا مَن قُبِرْ.  

أمَّا الحَيَاةُ.. فَصَمتُها صَرخٌ يُدَوِّي في الضُّلُوعِ ولا يُرَى.  

يَغتَالُكَ الرُّوتِينُ حَتَّى لا تَرَى لِلوقتِ وَجهاً أو أَثَرْ،  

وَيَصِيرُ يَومُكَ صَفحَةً بَيضَاءَ في سِفرٍ سَئِمتَ مِنَ القِرَاءَةْ.  

إنَّ الجِرَاحَ الصَّامِتَاتِ، إذَا نَزَفنَ، فَنَزفُهُنَّ مِنَ الضَّمِيرْ،  

أَقسَى عَلَى الإنسَانِ مِن جُرحٍ تَفَجَّرَ بِالصُّرَاخِ وَبِالبُكَاءْ.


نَشتَاقُ مَن يَسأَلُ: كَيفَ مَضَى عَلَيكَ اللَّيلُ وَالوَجَعُ المُقِيمْ؟  

لا مَن يُرَدِّدُ: كُلُّ شَيءٍ -كَذِباً- عَلَى مَا يُرَامْ.  

إنَّا نَتَّكِئُ عَلَى صُدُورٍ نَأمَنُ الحُبَّ فِيهَا،  

فَقُوَى الجَسَدِ تَخُونُ صَاحِبَهَا، وَقُوَى المَشَاعِرِ لا تَخُونْ.  

يَا لِلعَزَاءِ.. مَشَيتُ نَحوَكَ كُلِّي يَقِينٌ لا يَرَى غَيرَ الهُدَى،  

وَرَجَعتُ مِنكَ وَفي فُؤَادِي ألفُ خَدشٍ مِن يَدِ الخَيبَاتِ يَدمَى.


قَالُوا: "إذَا ارْتَبَطَتْ قُلُوبٌ فَاتَّزِنْ.. إنِّي بِاتِّزَانِكَ أَستَقِيمْ".  

لَكِنَّ كَفَّكَ حِينَ مِلتُ ارتَضَت لِيَ السُّقُوطَ وَالانكِسَارْ،  

وَأَنَا الَّذِي قَد كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ قَلبَكَ أَرحَمُ الرُّحَمَاءِ بِي.


فِي النَّاسِ أَقنِعَةٌ تُزَيِّنُهَا المَظَاهِرُ وَالثِّيَابْ،  

وَقُلُوبُ نَاسٍ كَالجَوَاهِرِ.. نَادِرَاتٌ كَالشُّهُبْ.  

فَهُنَاكَ مَن يُعطِيكَ حُضناً لا تَذُوقُ بِهِ الأَمَانْ،  

وَهُنَاكَ مَن تَطبِيبَةٌ مِن كَفِّهِ تُحيِي المَشَاعِرَ وَالوَطَنْ.  

هُنَاكَ مَن لَو زَغرَدُوا لِنَجَاحِكَ استَثقَلتَ زَغرَدَةَ النِّفَاقْ،  

وَهُنَاكَ مَن بَسمَتُهُ مِن بُعدِ مِيلٍ.. تُبهِجُ القَلبَ الحَزِينْ.  

هُنَاكَ مَن يَبكِي أَمَامَكَ لَستَ تُبصِرُ دَمعَهُ،  

وَهُنَاكَ مَن نَظرَتُهُ وَحدَهَا تُوَاسِيكَ وَتَكتَفِي.  

هُنَاكَ مَن لَو أَحَاطُوا بِكَ فِي الخُطُوبِ ازدَدتَ خَوفاً،  

وَهُنَاكَ مَن إن لَاحَ طَيفُهُمُ تَبَدَّدَتِ المَخَاوِفُ وَارتَحَلْ.


وَالحُبُّ يُعرَفُ حِينَ تَشتَدُّ الخُطُوبُ وَتَظلِمُ الآفَاقْ،  

حِينَ اختِلافِ الرَّأيِ، حِينَ احتِيَاجِكَ مَن يُتَرجِمُ صَمتَكَ المَذبُوحْ.  

هُنَاكَ تَعلَمُ صِدقَ مَن قَد كَانَ يَهوَاكَ ارتِقَاءً لا امتِلَاكْ،  

وَتَرَى مَقَامَكَ في العُيُونِ.. أَصِيلَةً كَانَت أَمِ الزَّيفَ المُقَنَّعْ.  

وَسَوَاءٌ أَتكَ الرِّيحُ خَيراً أَم عَكْسَ مَا تَهوَى، فَإِنَّكَ غَانِمٌ،  

فَعَرَفتَ مَن فِي العُمرِ أَصلٌ ثَابِتٌ، وَمَنِ السَّرَابُ المُستَعَارْ.


يَا رَبِّ فَاجعَلنَا مِنَ النَّاسِ الأَصِيلَةِ.. ذِكرُهَا مِسكٌ يَفُوحْ،  

وَسِيرَةٌ حَسنَاءُ تَبقَى في القُلُوبِ إذَا رَحَلنَا عَنِ الدِّيَارْ.  

فَإِنَّنَا بِالفِطرَةِ الأُولَى نَعِيشُ.. نُحِبُّ صِدقاً، لا نُرَائِي لا نُدَاجِي.  

فَابعِد عَنَّا وُجُوهاً زَيَّنَتهَا الكِذبَةُ الكُبرَى، وَقَرِّب كُلَّ قَلبٍ كَالجَوَاهِرِ..  

مَن يُحِسُّ بِنَا، وَيَقرَأُ مَا وَرَاءَ الصَّمتِ، يَفهَمُنَا بِلُطفٍ لا يُجَارْ.  

فَالصِّدقُ فِي الإحسَاسِ لَيسَ حُرُوفَ نُطقٍ، إنَّمَا نَبضٌ يُحَسُّ.


فَاكسِر جِرَارَ الخَوفِ، وَانسِف كُلَّ آهَاتِ الوَجَعْ،  

وَافتَح عُيُونَ العَقلِ.. لا تَسمَح لِقَلبِكَ أَن يُخَدَعْ.  

لا تَحيَ مَكتُوفَ اليَدَينِ.. فَأَنتَ أَقوَى مِن مِحَنكْ،  

قُم وَانتَفِض مِن تَحتِ أَنقَاضِ الأَسَى، وَانفُض غُبَارَ اليَأسِ عَنكْ.  

لِمَ تَختَبِي خَلفَ الجِدَارِ وَخَلفَ سِجنِ إِحبَاطِكْ؟  

قُم.. وَامضِ نَحوَ المَجدِ، فَالدَّربُ الطَّوِيلُ يَنَامُ تَحتَ خُطَاكْ.  

دَعِ الذِّكرَيَاتِ وَإِن قَسَت.. وَابحَث مِنَ اليَومِ عَنكْ،  

وَابدَأ حَيَاتَكَ مِن جَدِيدٍ.. بِالتَّفَاؤُلِ وَاليَقِينْ.  

لا تَسمَحَنَّ لِليَأسِ أَن يَغتَالَ حُلمَكَ، وَاجعَلِ الأَمَلَ الطَّبِيبْ.  

إِيَّاكَ أَن تَنهَارَ يَوماً، وَاذكُر بِأَنَّ اللَّيلَ يَعقُبُهُ نَهَارْ.  

ثِق بِالإِلَهِ وَثِق بِنَفسِكَ.. لا مَحَالَةَ لِلظَّفَرْ،  

فَرُبَّ لَحظَةِ يَأسِكَ الكُبرَى تَكُونُ بِهَا ابتِدَاءُ المُنتَصَرْ.  

فَاصنَع لِنَفسِكَ عَالَماً.. وَاسمُ الوِلَادَةِ: "الجَدِيدَة  

وَاملَأهُ نُوراً لا يَغِيبُ، وَعِش بِهِ حُرّاً سَعِيدْ.


صباح خالد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن

غاليتي.. قصيدة للشاعر السوري علي مهنا