شيخ العشيرة عمي .. قصة قصيرة للكاتب زياد أبو صالح من فلسطين


 شيخ العشيرة عمي ... !!!

بقلم : زياد أبوصالح  / فلسطين 🇵🇸 


     وُلد أحمد في عتمةٍ لا تشبه طفولة الأطفال، وعاش سنواته الأولى مع والديه في مغارةٍ تحت الأرض، كأن الحياة بدأت معه من قاعها. لم يكن في البيت ما يدلّ على بيت، سوى بردٍ يلسع العظام، ورطوبةٍ تتسرّب إلى الصدر، وفقرٍ ينام معهم ويصحو قبلهم.

     كبر الصبيّ قليلًا، ودخل المدرسة مثل سائر أبناء البلدة، يحمل في يده دفترًا رقيقًا، وفي عينيه أمنيةً صغيرة بأن يتعلّم القراءة والكتابة، وأن يخرج يومًا من ضيق المغارة إلى سعة الحياة.

     لكن الفقر كان أسرع من أحلامه؛ فما إن تعلّم الحروف الأولى، حتى ترك المدرسة على عجل، وعاد إلى واقعٍ لا يعترف بالأماني.

     اشترى له والده رأسين من الماعز، فصار يرعاهما في أطراف البلدة، يتنقّل بهما بين الصخور والسهول، ويعود آخر النهار بحليبٍ قليل ولبنٍ يسدّ بعض الجوع.

     وكان الناس، شفقةً على حالهم، يرسلون إليهم الطعام والثياب فيسترون عوراتهم، ويتصدّقون عليهم بما تيسّر، فيعيشون على فضل الله ثم على ما يجود به أهل الخير.

     ومع مرور الأعوام، كبر أحمد كما تكبر الشجيرات البرّية في الأرض القاسية؛ لا ترف فيها، لكنها تتشبث بالحياة بشراسة.

     بدأ يتردّد إلى أسواق الأغنام، يبيع ويشتري، ويجمع من الربح القليل درهمًا فوق درهم، حتى صار له اسمٌ بين أهل السوق، ثم صار له موطئ قدمٍ في دنيا المال.

     شيئًا فشيئًا، تبدّلت هيئته وتبدّلت أحواله. لم يعد ذلك الفتى الذي يعرفه الناس بعوز ،بل صار رجلًا يُشار إليه بالأصابع، ويُستدعى إلى المجالس، وتُطرق بابه الوجوه قبل الأبواب. أصبح حضوره مطلوبًا في الأفراح، وتكاد الولائم لا تكتمل في قريته والقرى  المجاورة إلا إذا جلس في صدرها.

     زوّج أبناءه، وأقام لهم ولائم فاخرة، ثم حجّ بيت الله الحرام، فعاد الناس ينادونه: الحاج أبو فادي. ومع المال، كبرت مكانته أكثر؛ اشترى مركبات عمومية تعمل على خط البلدة، وافتتح محلًّا للمجوهرات في وسط المدينة، وأخر  لبيع الوجبات السريعة ، واتّسعت تجارته، واتّسع معها ظلّه في عيون الناس. لكنّ الظلّ، مهما طال، لا يصنع شجرة.

كان أبو فادي يعرف كيف يُتقن صناعة الواجهة. لحيةٌ طويلة، وصوتٌ جهوري، وكلماتٌ موزونة في المجالس، حتى خُيّل لكثيرين أنه رجل رأيٍ ووجاهةٍ وحكمة. جلس في الصفوف الأولى، وتقدّم رجال العشائر، وصار يُستشار في شؤون الناس، لا لأنه كان أصلحهم، بل لأنه كان أغناهم.

     ولم يكن الذين حوله يرون منه إلا ما أراد لهم أن يروا. أما حقيقته، فكانت شيئًا آخر. كان فظًّا في بيته، متعاليًا على زوجته، قاسيًا على الضعفاء، متقلّب الوجه بحسب المصلحة. يتحدّث كثيرًا، ولا يقول شيئًا.

يتصدّر المجالس، وهو لا يحسن قراءة آيةٍ أو حديثٍ قراءةً سليمة، لكنّه كان يفتي في كل شأن، ويُدخل أنفه في كل أمر، كأن الجهل إذا لبس عباءة الهيبة صار علمًا في أعين الناس.

     وحين اشتدّ عوده في المال، اشتدّ معه غروره. كان يمشي في الشارع كأن الطريق قد فُرشت له وحده، ينظر إلى الناس من علٍ، وينفش ريشه كالطاووس، فيما كان بعض أبناء عشيرته لا يرون فيه إلا دلوًا يُستعمل وقت الحاجة، ثم يُركن جانبًا حتى تحين منفعةٌ جديدة. ومع ذلك، ظلّ الناس يهتفون باسمه، ويحيطونه بالتبجيل، حتى صار شيخ العشيرة. لا لأن أفعاله رفعت قدره، بل لأن أمواله رفعت مقعده.

     لكنّ الحياة، التي تصنع الأوهام أحيانًا، لا تتركها بلا حساب. دبّ المرض في جسده فجأة، وأخذ منه ما لم يأخذه الفقر قديمًا.

وفي وقتٍ قصير، أسلم الروح، ورحل عن الدنيا كما يرحل كثيرون، تاركًا وراءه ضجيجًا أكبر من حقيقته.

     يوم وفاته، أُغلقت شوارع بلدته من كثرة المعزّين. وازدحمت الساحات بالرجال، وامتلأت المجالس بعبارات الرثاء، وازدانت صفحات الفيس بوك بصوره، وانهالت كلمات التمجيد التي تصفه بأنه من كبار رجال العشائر، ومن أعمدة المحافظة الذين لا يتكررون.

     بدا المشهد كله كأنه تتويجٌ أخير لرجلٍ عاش منتفخ الصورة. غير أن الموت لا يدفن الحقيقة دائمًا. فبعد فترةٍ قصيرة، بدأت الهمسات تخرج من الظلال، ثم ما لبثت أن صارت كلامًا يُقال في السرّ والعلن.

وتكشّفت الأوراق، وظهرت الأدلة، وثبت للناس أن أبا فادي قد باع أرضه لليهود، وأن الرجل الذي عاش بينهم شيخًا في الصورة، لم يكن في ميزان الوطن والضمير يساوي شعيرة. 

     عندها، سقطت الهالة دفعةً واحدة. حاول أبناؤه أن يرمّموا ما تهدّم؛ تصدّقوا عن روحه، وأكثروا من أعمال البرّ، وأرادوا أن يطفئوا النار التي اشتعلت في سمعته، لكن الناس لم يكونوا غافلين هذه المرّة. فبعض العيوب قد تُستر، أما الخيانة فلا يغسلها مال، ولا يجمّلها نعي، ولا تمحوها منشورات المديح.

     وهكذا، لم يبق من شيخ العشيرة بعد موته إلا الحقيقة العارية: أن الرجل قد يشتري الوجاهة، ويشتري الصفّ الأول، ويشتري ألسنة المادحين… لكنه لا يستطيع أن يشتري الكرامة. فالشمس، مهما طال عليها الغبار، لا تُغطّى بغربال.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

مع القافيه .. قصيدة للشاعر د. جلال احمد المقطري من اليمن

حنايا الذاكرة.. قصيدة للشاعر د. جلال أحمد المقطري من اليمن