لماذا . نص للكاتبة زهرة بن عزوز من الجزائر
لماذا…؟
ولماذا هذا الكائن الذي تعلّم الوقوف من خوفنا
ينبت واهناً
كفكرةٍ محطمةٍ في رأس التّاريخ
بين حقولٍ تخلّت عن أسمائها…؟
تلاشت مواسم الحصاد، وقُوِّضت المناجل، وتخلّت
كما تخلّت الذاكرة عن أجساد موتاها
حين يثقلها الحنين ويخنقها الغياب
ولماذا هذا الحريق المستعر
لا يكتفي بأن يكون ناراً مجلجلة؟
بل يصير نسباً ساكناً في دمنا
بلا وصيّة
يرثنا كما نرث الملامح المحمومة بالخوف
ويعشّش في صدورنا كمرض عضال
كقدر أعمى
يتمخّض صراخاً
ويلد ظلالاً لا أمل يرتجى منها… ولا نهاية
ماذا يحدث؟
أي انكسارٍ هذا الّذي يلازمنا…
الّذي لا يُسمع له صوت رغم بطشه؟
نستيقظ كلّ يوم وقد نقصت منّا أشياء...وفقدنا أخرى...
لا نعرف كيف نسميها
ولماذا السّكوت؟
هذا الطّقس الغامض
يمتد فوقنا
كسماء غادرتها نجومها
كأرض ذُبحت على صحراء من الرّماد...
كأنّه آخر ما نجا من حطام الكلام...
أرى الدّمى متراقصة…
كأنّها ليست بدمى...
بل وجوهٌ أفرغتها سياط الخوف من ملامحها
تتطاير بلا أجنحة في مسرح الحياة...
كما تتطاير الأسئلة القديمة
حين تخاف الإجابة...
ومنها يتصاعد دخان…
ليس له لون إلّا لون الخنوع...
لكنّه يعرف طريقه إلى الرئتين العاطستين
بدقّة موت قديم
ينسخنا...يذكّرنا بما كنّا… وكيف أصبحنا
الأرض…
الّتي كنّا نسميها أمّاً...
لكي نخفف وطأة الحقيقة...
تعتصر الدّماء كما يَعتصر الزّمن القيود في المعاصم
لقد تعبت… تعبت كثيراً...
وقد اعتادت الشرب...
لا شهوةَ…
بل لأنّنا صرنا نَسقيها بأنفسنا
ثم نسأل: لماذا لا تزهر؟
لكن في قلب هذا الخراب
الذي تعلّم كيف يخفي أنفاسه في عمق هذا السّواد
الّذي صار مرآتنا...
شيء ما…
لا يزال يقاوم دون صوت...
السّلام…
ليس عناقيد تُقطف
ولا وعد يُعلّق على أبواب الغد
بل جرحٌ عميق
حين نكف عن تزويقه
ونتركه ينزف…
حتّى يتعلّم كيف يكون نوراً
فمن يجرؤ على الرؤية؟
من يحدّق في هذا العراء المغبر
دون أن يُغمض عينيه؟
دون أن يطأطئ رأسه
أو يُسمّي العتمة ستراً؟
من يقول: هكذا نحن…
لا كما نُروى؟
بل كما ننكسر
كما نحترق
كما نصمت حتّى نذوب
كما تذوب الشّموع في اللّيالي الحالكة
من يجرؤ أن يكون أوّل الصّوت
حين يتعب الصّدى؟
من…؟ من…؟
من هذا المجهول…؟

تعليقات
إرسال تعليق