الحقيقة التي أرهقتهم .. قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر
«إذا قُلْتَ الحَقيقَةَ، فَلَنْ تَحْتاجَ إلى تَذَكُّرِ أَيِّ شَيء.»
ــ مارك توين
قِصَّةٌ قَصيرَة
الحَقيقَةُ الَّتي أَرْهَقَتْهُمْ...!!
كانَ نَزيهٌ مُوَظَّفًا بَسيطًا، يَمْلِكُ عَيْبًا خَطيرًا في نَظَرِ الجَميع: كانَ يَقولُ الحَقيقَةَ دائمًا.
حينَ يَتَأَخَّرُ عَنِ الدَّوامِ يَقول: ــ نِمْتُ أَكْثَرَ مِنَ اللازِم.
وحينَ يُسْأَلُ عَنْ تَقْريرٍ ناقِصٍ يُجيب: ــ لَمْ أَعْمَلْ عَلَيْهِ، لأَنَّني كُنْتُ أَحْتَسي القَهْوَةَ وَأُراقِبُ المَطَر.
وحينَ تَسْأَلُهُ زَوْجَتُهُ: ــ هَلْ أَعْجَبَكَ الطَّعام؟ يَقولُ بِهُدوء: ــ المِلْحُ كَثيرٌ… لَكِنَّ النِّيَّةَ طَيِّبَة.
لِذلِكَ كانَ النّاسُ يَتَعامَلونَ مَعَهُ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَحْمِلُ مَرَضًا مُعْدِيًا اسْمُهُ «الصِّدْق».
وفي صَباحِ يَوْمٍ خانِق، اكْتَشَفَتِ الدّائِرَةُ اخْتِفاءَ مَبْلَغٍ ماليٍّ كَبير.
اجْتَمَعَ المُوَظَّفونَ حَوْلَ المُديرِ كَقَطيعِ دَجاجٍ مَذْعور. الكُلُّ يَتَكَلَّم… الكُلُّ يُقْسِمُ بِالشَّرَفِ وَالأَخْلاقِ وَالوَطَن.
فَجْأَةً سَأَلَ المُديرُ: ــ مَنْ آخِرُ شَخْصٍ دَخَلَ غُرْفَةَ الحِسابات؟
رَفَعَ نَزيهٌ يَدَهُ بِهُدوء: ــ أَنا.
تَجَمَّدَتِ الوُجوه.
ــ وَهَلْ فَتَحْتَ الخِزانَة؟
ــ نَعَم.
شَهَقَ الجَميعُ دُفْعَةً واحِدَة.
اقْتَرَبَ المُديرُ مِنْهُ هامِسًا: ــ اسْمَع… فَكِّرْ جَيِّدًا قَبْلَ أَنْ تُجيب.
قالَ نَزيهٌ: ــ لا أَحْتاجُ إلى التَّفْكير… لَقَدْ فَتَحْتُها لأَضَعَ فيها مَلَفّاتِ الأَرْشيف.
ازْدادَتِ الكارِثَةُ سُوءًا. فَالنّاسُ لا يُصَدِّقونَ الاعْتِرافاتِ السَّهْلَة.
وبَعْدَ ساعاتٍ مِنَ التَّحْقيقِ وَالصُّراخِ وَتَبادُلِ الاتِّهامات، اكْتَشَفوا أَنَّ المالَ لَمْ يُسْرَقْ أَصْلًا… بَلْ إِنَّ المُديرَ نَفْسَهُ نَقَلَهُ مَساءَ أَمْسِ إلى دُرْجِ مَكْتَبِهِ وَنَسِيَ الأَمْرَ تَمامًا.
سادَ صَمْتٌ ثَقيل.
ثُمَّ ضَحِكَ المُديرُ مُرْتَبِكًا وَقال: ــ الحَمْدُ لله… سُوءُ تَفاهُمٍ بَسيط.
لَكِنَّ نَزيهًا نَظَرَ إِلَيْهِ طَويلًا وَقال: ــ غَريب… الكاذِبونَ وَحْدَهُمْ يَحْتاجونَ إلى ذاكِرَةٍ قَوِيَّة.
وفي اليَوْمِ التّالي…
نُقِلَ نَزيهٌ إلى قسم الأَرْشيفِ ،لَيْسَ لأَنَّهُ سَرَقَ المال… بَلْ لأَنَّ الإِدارَةَ اكْتَشَفَتْ أَنَّ الصّادِقَ أَخْطَرُ مِنَ اللِّصّ.
فَاللِّصُّ قَدْ يَسْرِقُ الخِزانَةَ مَرَّةً… أَمّا الصّادِقُ، فَقَدْ يَفْضَحُ المَبْنى كُلَّهُ دُونَ أَنْ يَبْذُلَ أَيَّ مَجْهود....!!.
بقلمي
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
22.مايو.مايس.2026م.

تعليقات
إرسال تعليق