شوبنهاور في دائرة الطابو .. قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر
“لن يستطيعَ أحدٌ إفسادَ مزاجِكَ، ما دمتَ مكتئبًا طوالَ الوقت.”
ــ آرثر شوبنهاور
شوبنهاور في دائرةِ الطابو
قصة قصيرة ساخرة
منذُ أنْ قرأَ فاضلٌ مقولةَ شوبنهاور، قرّرَ أنْ يجعلَ الاكتئابَ أسلوبَ حياة، لا حالةً نفسية. دخلَ دائرةَ الطابو في اليومِ التالي بوجهٍ يصلحُ لإعلانِ عزاء، وحينَ حيّاهُ أحدُ زملائِه قائلاً: «صباحُ الخير»، أجابَ ببرود:
ـ لا يوجدُ صباحٌ جيّدٌ في دائرةٍ تُنهي أعمارَ الناسِ قبلَ أنْ تُنهي معاملاتهم.
ومعَ الوقت، صارَ الرجلُ أشبهَ بموظفٍ خارجٍ من حربٍ طويلة. لا يضحك، لا يغضب، لا يندهش. حتى عندما سقطتِ المروحةُ قربَ مكتبِه، عدّلَ نظارتَهُ فقط وقال:
ـ كنتُ أنتظرُ الأسوأ.
وذاتَ ظهيرةٍ خانقة، توقّفتْ أمامَ الدائرةِ ثلاثُ سياراتٍ سوداءَ، وترجّلَ منها الحاجُّ صبحي، الرجلُ الذي تُنقَلُ الإداراتُ بسببهِ وتُفتحُ لهُ الأبوابُ قبلَ أنْ يطرقها. خلالَ دقائق، عمَّ الذعرُ المكان، واختفى بعضُ الموظفين، بينما بقيَ فاضلٌ يحتسي الشايَ ببطءِ رجلٍ ينتظرُ تقريرَ وفاتِه.
صفعَ الحاجُّ صبحي معاملتَهُ فوقَ الطاولةِ صارخًا:
ـ معاملتي متوقفةٌ منذُ شهرين… هلْ أشتري الدائرةَ كلَّها كي تتحرّك؟
أجابَ فاضلٌ دونَ أنْ يرفعَ رأسه:
ـ الشراءُ لا يفيدُ دائمًا يا حاج… بعضُ الخرابِ قديمٌ إلى درجةِ أنّهُ صارَ جزءًا من الهندسة.
سادَ صمتٌ ثقيل، ثمَّ اقتربَ الرجلُ منهُ وقالَ بحدّة:
ـ يبدو أنّكَ لا تعرفُ مَنْ أنا.
رفعَ فاضلٌ عينيهِ أخيرًا وقالَ بهدوءٍ قاتل:
ـ بلْ أعرفُ جيدًا… لكنَّ مشكلتي الأكبر أنني أعرفُ أيضًا مَنْ أنا، وهذهِ معرفةٌ كافيةٌ لإفسادِ أيِّ حياة.
ولسببٍ غامض، انطفأ غضبُ الحاجِّ صبحي فجأة، وجلسَ أمامَهُ هامسًا:
ـ أقسمُ بالله… أوّلُ مرّةٍ أرى رجلًا لا يريدُ شيئًا منّي.
وفي نهايةِ الدوام، استدعاهُ المديرُ إلى مكتبِه وقالَ وهو يُشعلُ سيجارةً مرتبكة:
ـ لقدْ قرّرتِ الدائرةُ تكريمَكَ بكتابِ شكرٍ رسميّ… سنُسلّمهُ لكَ غدًا أمامَ الموظفين.
ظلَّ فاضلٌ صامتًا لثوانٍ، ثمَّ ارتجفتْ شفتاهُ فجأة. لأوّلِ مرّةٍ منذُ سنوات، شعرَ بشيءٍ يشبهُ الفرح… فشهقَ بخوفٍ حقيقيّ وهمس:
ـ اللعنة… لقدْ أفسدوا مزاجي....!!.
بقلمي
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
20.مايو.مايس.2026م.

تعليقات
إرسال تعليق