لما البحر يبكي ..نص للكاتبة صباح خالد من العراق
لما البحر يبكي
هدوء الليل قبل العاصفة
الحنينُ حروفُ بُكاءٍ مثلَ بحرٍ لا ينتهي
تتلاطمُ أمواجُهُ العاليةُ تصرخُ دونَ صوتٍ
والعيونُ مرافئُ للأرواحِ التائهة
عبرَ الرسائلِ القلوبُ تنظرُ إلى الشاطئ
والأمواجُ ترجمانُ الشوقِ الذي لا يهدأ
الرُّوحُ والقلبُ مثلَ العاصفة
يغيبُ مَن نحبُّ لكنهم لا يغيبونَ من قلوبِنا
فالقلبُ لا يجيدُ النسيان
ونذهبُ إلى البحرِ... نلقي في صندوقِ النسيان
هو نعمةٌ من اللهِ سبحانه وتعالى
كما لا يتخلّى البحرُ عن شطآنِه
هل شعرتِ يومًا بأنَّ البحرَ يشبهُكِ؟
بحنينٍ غامضٍ مثلَ غروبِ الشمسِ وهي تغيب
إحساسٌ غريبٌ لا تعرفينَ سببَه
بدَمعةٍ تفرُّ من عينِكِ في لحظةِ خلوةٍ مع اللهِ ومع نفسِكِ
أو شوقٍ يجتاحُ قلبَكِ ورُوحَكِ إلى وطنٍ لا تذكرينَ ملامحَه
إنَّه ليسَ حنينًا لأرضٍ أو لبشرٍ
بل هو رجعُ رُوحِكِ... لنداءٍ من فوقِ السماءِ يطمئنُ قلبَكِ
طُبِعَ في أعماقِ سِرِّكِ يومَ جُمِعَت الأرواحُ في حضرةِ النور
قَبلَ أن يرتدي الوجودُ ثوبَ الزمانِ
وقبلَ أن تُسجَنَ الأرواحُ في زنازينَ مثلَ العصفورِ السجين
كان هناكَ ميعادٌ أول... لقاءٌ غيبيٌّ عظيم
صِيغَت فيهِ هويتُنا الحقيقيةُ في الوقوفِ أمامَ اللهِ ربِّ العباد
واختُصِرَت فيه قصةُ وجودِنا بكاملِها في سؤالٍ وجواب
قَالُوا بَلَىٰ ۘشَهِدْنَا
حين تتعاملين... لا تبحثي عن تعريفٍ واحدٍ لي
فأنا امرأةٌ لا تُختصرُ في كلمةٍ ولا تُفهَمُ من موقفٍ عابر
في داخلي طفلةٌ ما زالت تفرحُ بأبسطِ الأشياء
وحكمةُ امرأةٍ علَّمتها الحياةُ ما لم تُعلِّمُه الكتب
أنا هدوءُ البحرِ حين يطمئنُ
وأعماقُهُ حين يُخفي أسرارَه
أحملُ قلبَ أمٍّ في العطاءِ
وعنادَ الجبالِ في الكرامةِ
وعلوَّ السماءِ إذا حاولَ أحدٌ أن يقيِّدَ رُوحي
وقوةَ العواصفِ حين أقررُ الرحيل
لذلك... هدوءُ الليلِ قبلَ العاصفة
الغربةُ ليست شنطةَ سفر... الغربةُ أن تكوني بينهم وساكتة
كأنَّ رُوحَكِ مسافرةٌ وجسدُكِ هنا
كهدوءِ الليل... هادئٌ ساكنٌ، وتحته بركان
صدرُكِ بحرٌ وموجُهُ عالٍ، وأنتِ واقفةٌ على الشطِّ تراقبينَ غرقَكِ
لا أحدَ يسمعُ صوتَ الموجِ في داخلكِ
أقسى غربةٍ
أن تنظري في المرآةِ فلا تعرفي من أمامَكِ
وجهُكِ هو... لكنكِ ضائعةٌ منكِ
وسطَ هذا الهدوءِ كله... تولدُ الكاتبة
صباح خالد

تعليقات
إرسال تعليق