المقص . قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر
«كُلُّ الَّذينَ قَطَعْتُ عَلاقَتي بِهِم، بِطَريقَةٍ أَوْ بِأُخْرى… هُمُ الَّذينَ ناوَلوني المِقَصّ.»
فرناندو بيسوا
قِصَّةٌ قَصيرَة
المِقَصّ
كانَ سليمٌ يُغادِرُ النّاسَ بِهُدوءٍ يُخيف.
لا صُراخ.
لا عِتاب.
لا رَسائلَ طويلة.
فقط ينسحبُ كما ينسحبُ الضوءُ من غرفةٍ مهجورة.
في البداية، كانوا يصفونه بالبارد.
ثمّ قالوا إنّه مُتكبّر.
وبعد سنوات، صاروا يقولون عنه:
— احذروا منه… إنّه يقطع البشر بسهولة.
وكان يبتسم فقط.
في إحدى الليالي الشتائية، جلسَ وحدهُ أمامَ طاولةٍ قديمة، يُرتّبُ أشياءهُ بلا سبب.
صورٌ باهتة.
رسائلُ مطويّة.
ساعةٌ متوقفة.
ومفاتيحُ لأبوابٍ لم تعد موجودة.
ثمّ وجدَ داخلَ الدرج مقصًّا صغيرًا صدئًا.
أمسكهُ طويلًا…
وفجأةً، تذكّر أوّلَ مرّةٍ تعلّمَ فيها القطع.
كانَ في العشرين، عندما خانهُ صديقٌ أقسمَ أنّهُ أخٌ لا يخون.
وقبلها بقليل، كانت امرأةٌ تُطفئُ قلبهُ كلّما أشعلَ فيهِ الأمل.
ثمّ جاءَ قريبٌ لا يتذكّرهُ إلّا حين يحتاجُ مالًا أو خدمة.
ورئيسٌ في العمل يربّتُ على كتفهِ نهارًا… ويطعنُهُ ليلًا.
كانَ يتألّمُ في كلّ مرّةٍ كأنّ شيئًا يُقتلعُ من صدره.
لكنّ الألم، مثلَ المطر…
إذا طالَ سقوطُه، تعتادُهُ الأرض.
ومع السنوات، صارَ أسرعَ في المغادرة.
أخفَّ عتابًا.
وأكثرَ صمتًا.
حتّى بدا للجميع أنّهُ وُلِدَ هكذا.
حرّكَ المقصَّ بين أصابعهِ ببطء، ثمّ ضحكَ ضحكةً صغيرةً مُتعبة.
همسَ لنفسه:
— يا للمفارقة…
كنتُ أظنّ أنّني أكرهُ القطع.
ثمّ أطرقَ طويلًا، كأنّهُ يسمعُ أصواتَهم جميعًا تعودُ من بعيد…
وقالَ بصوتٍ مكسور:
— لم أولدْ بهذه القسوة…
هم فقط، واحدًا بعدَ آخر، كانوا يضعونَ المقصَّ في يدي…
ثمّ يندهشونَ عندما أتقنتُ القطع....!!!.
بقلمي
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
11.يونيو. حزيران.2026م.

تعليقات
إرسال تعليق