جمهورية القاع . قصة قصيرة للكاتب أسعد الدلفي من العراق
قصة قصيرة // جمهورية القاع
استقر جسده في سحيق الرحم السفلي للقاع؛ حفرة موحشة كأنها مقبرة دفنت فيها وعود حزبية غابرة، وغرقت في مياه آسنة لزجة، تحاكي في ركودها ومطاطيتها مستنقعات البيروقراطية العقيمة. لم تكن تلك اللزوجة لتبتلعه نجدة وتريحه بالموت التام، بل كانت تطوق عنقه بإحكام مدروس؛ كخط فقر وطني خط بعناية ليُبقي المواطن على قيد النزع دون أن يمنحه ترف التنفس الخالص. كان تحالفا سريا، مبرما بدم بارد بين قطبي السلطة والفناء، لإبقائه معلقا في برزخ أبدي من "الاستقرار الهش".
من ذلك المنفى السفلي الطاعن في الإقصاء, حيث ترقد الطبقية المسحوقة, غدت صلته بالعالم الأعلى مجرد كوة ضيقة، شحيحة كمساحة الحرية المتاحة للتعبير. كوة لا ينفذ منها سوى أشباح إنارة المصابيح الشاحبة، الساقطة من السطح كوعود حكومية بالإصلاح: تضيء أوراق الصحف وتترك الواقع غارقا في مأساته. وعبر هذه الفتحة الضيقة، يهبط إليه هدير الحياة المدجنة: ثرثرة النسوة الرتيبة في الأزقة، وأحاديثهن المكررة التي هندست عبر أجيال من الاستهلاك؛ كلام معاد عن رغيف الخبز المغموس بالقلق، وعن الحب المشوه، وعن غلاء الأسعار الذي يلتهم العمر قطرة قطرة، والولادة والموت في مشاف رسمية تشبه الحفر ذاتها.
في بواكير سقوطه، كان يطلق صرخات استغاثة مجلجلة، تهز عروض السماء نحو الأعلى، محاولا اختراق جدار النخبة الفوقية. لكنه أدرك بمرارة من فكك شفرة العقد الاجتماعي الزائف أن المنظومة صماء صخاء، لا تستمع إلا لمن يرطن برطانة السطح ويحمل أختامه. كان صراخه المنبعث من طيات الطبقة المنسية يمر تحت أحذية المارة ومواكبهم الفارهة كأنه زفير ريح واهن، أو قعقعة عابرة في قنوات الصرف؛ إذ نجحت دساتير السطح في إقناع العامة أن كل ما يأتي من الأعماق هو محض "شغب" أرعن، وجب غض الطرف عنه وإهالة التراب عليه.
ومع انسياب السنين كالمياه الثقيلة، تحولت تلك الوهدة الآسنة من سجن قسري إلى إيديولوجيا يعتنقها. صقلت عزلته تلك المياه حتى غدت مرآة كاشفة لعورات الوجود، فتلاشت في داخله رغبة الثورة أو شهوة الصعود. أصبحت خطابات العامة وأحاديثهم في الأعلى تبدو له كطنين ذباب أعمى؛ قطيع مدجن يعيد إنتاج السلاسل والأنظمة ذاتها دون وعي، ويدور برضا تام في ساقية الانتخابات والوعود الملونة، غافلين عن أنهم غارقون في "وحل سياسي واجتماعي" خفي، يشبه وحله هذا تماما، ولكن بفارق صاعق: وحلهم مطلي بطلاء الديمقراطية الزائفة.
لقد نسي ملامح وجهه القديم، فبدت كخريطة طمست معالمها الصراعات الطويلة، وتماهى كليا مع عتمة الهامش حتى صار جزءا من تكوينها. أضحى خوفه الأكبر ليس البقاء في معتقله المائي هذا.. بل الصعود إلى السطح، والاضطرار للعيش في تلك "الجمهورية الكبرى"؛ تلك الحفرة الشاسعة التي يعتقد سكانها ببلادة مطبقة أنهم أحرار، لمجرد أنهم يملكون الحق في النظر إلى المصابيح من الأعلى، عاجزين عن إدراك أنهم غارقون في الطاعة العمياء حتى الأذقان.
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الاربعاء 24 حزيران 2026
العراق – بغداد

تعليقات
إرسال تعليق