تاجر المجوهرات.. قصة قصيرة للكاتب زياد أبو صالح من فلسطين


 تاجر المجوهرات ... !!!


      بقلم: زياد أبوصالح  / فلسطين 🇵🇸   


     في صباح يوم ربيعي هادئ، شدّت "أم محمد" رحالها إلى المدينة البعيدة عن قريتها عشرات الكيلومترات. كانت امرأة بسيطة، أثقلتها مسؤولية بيتها وأطفالها، لكنها اعتادت أن تواجه أعباء الحياة بصبر ورضا.

وبينما كانت تتجول في أحد شوارع المدينة المزدحمة، استوقفتها لافتة مذهبة  مُثبتة على واجهة محل للمجوهرات كُتب عليها: "تصليح الذهب مجاناً". أثارت العبارة اهتمامها، فاقتربت من المحل ودخلته.

استقبلها صاحب المحل بابتسامة عريضة وكلمات ترحيب لطيفة. وما إن رفعت بصرها حتى وقعت عيناها على لوحة معلقة فوق مكتبه كُتب عليها: "رأس الحكمة مخافة الله". شعرت المرأة بالطمأنينة، وأخبرته أن لديها عقداً ذهبياً مكسوراً ترغب في إصلاحه، فأجابها بثقة: ـ نحن في الخدمة، ومن دون أي مقابل.

     خرجت من المحل مسرورة، وأكملت شراء حاجيات منزلها، ثم عادت إلى قريتها حيث ينتظرها أطفالها الصغار.

وفي اليوم التالي، وبعد أن تناولت الإفطار مع أبنائها وتركتهم عند شقيقتها القريبة، حملت عقدها الذهبي الثمين وتوجهت إلى المدينة من جديد. كان العقد عريضاً وطويلاً، يمتد حتى منتصف جسدها، وكانت تنوي ارتداءه في زفاف شقيقها الذي اقترب موعده.

     وصلت إلى المحل، وقدمت العقد لصاحبه. رحب بها مجدداً، وألحّ عليها أن تحتسي فنجاناً من القهوة وكوباً من الماء. ثم أخذ العقد ووضعه في مغلف دون أن يضع عليه علامة أو اسماً أو رقم هاتف أو أي بيانات تثبت ملكيته.

     وقبل أن تغادر قال لها: ـ عودي بعد ثلاثة أيام، وستجدينه جاهزاً.

     مضت الأيام الثلاثة بطيئة في نظرها، حتى عادت إلى المحل في الموعد المحدد. تناولت العقد بلهفة، وما إن حاولت ارتداءه حتى فوجئت بأنه لم يعد يمر من رأسها.

تغير لون وجهها، وقالت بقلق: ـ هذا ليس عقدي... عقدي أطول بكثير.

     لكن صاحب المحل رد بثبات: ـ بل هو عقدك نفسه. ثم أخذ يقسم بالله مؤكداً كلامه.

     أدركت المرأة أن جزءاً من العقد قد قُصّ دون علمها. شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. اختلط الغضب بالصدمة، وانفجرت بالبكاء. تجمّع المارة حولها وهي تردد بحرقة:

_  اللهم أرني فيه عدلك  ، اللهم  خذ حقي ممن ظلمني ، اللهم اجعل ما سرقه في علاج أولاده وصحته .

     خرجت من المحل مكسورة القلب، تحمل عقدها الناقص ودموعها التي لم تتوقف. وعندما عادت إلى منزلها، أخبرت زوجها بما جرى. حاول الزوج مراراً مراجعة صاحب المحل ومطالبته بالحقيقة، لكنه كان ينكر كل شيء إنكاراً تاماً.

     ولما أُغلقت الأبواب في وجوههم، سلّموا أمرهم إلى الله، وأيقنوا أن الحقوق لا تضيع عند من لا تضيع عنده الودائع.

     مرت الأشهر، ودارت عجلة الأيام.

وفي أحد الأيام أصيب أحد أبناء صاحب المحل بمرض خطير. حمله الأب من طبيب إلى طبيب، ومن مستشفى إلى آخر، آملاً في الشفاء. ولشدة انشغاله بابنه، أوكل إدارة المحل إلى أحد أقاربه.

     لكن المرض كان أقوى من كل المحاولات، وما هي إلا فترة قصيرة حتى رحل الابن عن الدنيا، تاركاً في قلب أبيه جرحاً لا يندمل.

     غرق الرجل في حزنه، وبدأت صحته تتدهور شيئاً فشيئاً. ضعف بصره، وأصابته أمراض متعددة، حتى بات عاجزاً عن قيادة مركبته والوصول إلى متجره كما كان يفعل كل صباح.

     ثم جاءت الضربة الثانية. فبعد نحو عام، اكتشف أن القريب الذي ائتمنه على إدارة المحل قد سرق كميات كبيرة من الذهب تُقدّر بآلاف الدنانير.

     جلس الرجل وحيداً أمام خساراته المتراكمة؛ فقد ابنه، وضاعت أمواله، وتبددت سنوات عمره. ولم يجد أمامه سوى بيع المحل الذي كان مصدر رزقه وفخره.

     ومنذ ذلك الحين، أخذ ضميره يطارده كلما خلا بنفسه. كان يتذكر وجوه الزبائن الذين ظلمهم، ويتذكر تلك المرأة التي خرجت من متجره باكية تدعو عليه بحرقة المظلوم.

     تضاعفت أمراضه، وأصبح أسير كرسي متحرك، لا يقوى على الحركة إلا بمساعدة الآخرين. وعاش ما بقي من عمره مثقلاً بالندم والحسرة، حتى جاءه الأجل المحتوم.

     قد يظن الظالم أن حيلته تنجيه، وأن إنكاره يمحو أثر ظلمه، لكن الأيام تخبئ من العبر ما تعجز عنه المحاكم أحياناً. فالحقوق وإن غابت عن أعين الناس، لا تغيب عن عين الله، ومن زرع ظلماً حصد ندامة، ومن أكل أموال الناس بالباطل حمل وزرها في دنياه قبل آخرته.

تعليقات