الانتظار.قصة قصيرة للكاتب م. جمال الشلايدة من مصر
الانتظار
ما أصعب الانتظار حين يصبح العمر كله دقيقة معلقة بين لقاء لم يأت وذكرى لا ترحل وحين تمضي السنون ثقيلة كأنها جبال من الصبر فوق صدر أنهكه الشوق انتظرتها حتى تغيرت ملامحي وحتى صار الشيب يزاحم سواد الشعر وحتى تعبت المرايا من إخباري أن الزمن مر ولم يعد كما كان لكن قلبي بقي واقفا عند اللحظة الأولى التي عرفتها فيها كأنه رفض أن يكبر أو ينسى كنت أبحث عنها في كل مكان كمن يبحث عن روحه الضائعة أسأل عنها الطرقات وأفتش عنها بين الأسماء والصور وأغوص في بحار وسائل التواصل لعل وجها يشبه وجهها يلوح أمامي أو خبرا صغيرا يهمس بأنها ما زالت هنا في هذا العالم كم من ليلة أحرقت فيها عيني أمام الشاشات وكم من مرة خفق قلبي بقوة حين ظننت أنني وجدتها ثم انطفأ كشمعة وحيدة حين اكتشفت أن الوهم كان أسرع من الحقيقة كانت الذكرى تكبر كلما ابتعدت وكانت صورتها تزداد وضوحا كلما غابت أكثر حتى صرت أخاف أن أنساها وأخاف أكثر ألا أنساها وحين يهدأ الليل ويغفو الناس أجد نفسي وحيدا مع الحنين أجلس إلى صمت طويل وأفتح دفاتر العمر فأجد اسمها مكتوبا على كل صفحة وكأن الأيام كلها مرت من خلالها ثم رحلت وتركتني خلفها أسيرا لغياب لا نهاية له اشتعل الرأس شيبا لكن القلب اشتعل أكثر منه وظل يتقد بنار الشوق حتى صار كل نبض فيه صرخة وكل تنهيدة فيه حكاية وجع لا تنتهي أحيانا أحدث النجوم عنها وأخبر القمر كم اشتقت إليها وأعاتب الريح لأنها لم تحمل إليها صوتي وأرجو الفجر أن يأتي بخبر يطفئ هذا اللهيب الساكن في أعماقي منذ سنوات طويلة كم تمنيت أن أراها ولو صدفة عابرة ولو للحظة قصيرة تكفي لأقول لها إن الغياب كان قاسيا وإن العمر من بعدها لم يكن سوى انتظار طويل وإن الأماكن كلها فقدت معناها حين اختفى حضورها منها مرت وجوه كثيرة أمام عيني لكن وجهها وحده بقي ساكنا في القلب ومرت أصوات كثيرة حولي لكن صوتها وحده ظل يوقظ في داخلي الحياة والوجع معا لقد تعبت من عد السنين ومن ملاحقة السراب ومن سؤال الذكريات التي لا تجيب لكنني كلما حاولت الاستسلام عاد الأمل الصغير ليوقظني من جديد ويقنعني بأنها ربما تظهر غدا وربما تقرأ اسمي صدفة وربما يقودها الحنين إلي كما قادني إليها ألف مرة وها أنا ما زلت أنتظر بين دمعة لم تسقط وكلمة لم تقل ولقاء لم يحدث وما زلت أحملها في قلبي كما يحمل العطشان آخر قطرة ماء في صحراء طويلة وما زلت أؤمن أن بعض الأحبة لا يغيبون عن العيون فقط بل يسكنون الأرواح إلى آخر العمر وأن بعض الانتظار لا ينتهي إلا حين يتوقف القلب عن الخفقان وتنام الأحلام أخيرا في حضن الأبدية.
بقلم م. جمال الشلالدة

تعليقات
إرسال تعليق