الرجل الذي كذب على وسادته.قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر

 "أَنْ تَكُونَ سَعِيدًا جِدًّا هُوَ أَضْمَنُ طَرِيقَةٍ لِإِزْعَاجِ الآخَرِينَ."

فِيودُور دُوسْتُويِفْسْكِي


قِصَّةٌ قَصِيرَة


الرَّجُلُ الَّذِي كَذَبَ عَلَى وِسَادَتِهِ...!!.


كَانَ فَاضِلٌ أَفْقَرَ رَجُلٍ فِي الحَيِّ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَغْنَى رَجُلٍ فِي أَحَادِيثِهِ. كُلَّ صَبَاحٍ يَقِفُ أَمَامَ المَقْهَى صَارِخًا: ـ صَبَاحُ الخَيْرِ أَيُّهَا التُّعَسَاءُ... كَيْفَ حَالُ الفُقَرَاءِ؟ فَيَضْحَكُ الجَالِسُونَ. قَالَ لَهُ نَاصِرٌ: ـ وَكَيْفَ تَسِيرُ إِمْبِرَاطُورِيَّتُكَ الاقْتِصَادِيَّةُ؟ قَالَ: ـ أَرْبَاحُ الأَمْسِ تَكْفِي لِإِطْعَامِ الحَيِّ سَنَةً. ـ وَلِمَاذَا لَمْ تُطْعِمْنَا؟ ـ حِفَاظًا عَلَى رُوحِ الكِفَاحِ عِنْدَكُمْ! فَضَجَّ المَقْهَى بِالضَّحِكِ. كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَمْوَالٍ لَا يَمْلِكُهَا، وَمَشَارِيعَ لَا وُجُودَ لَهَا، وَأَخْلَاقٍ لَوِ امْتَلَكَ نِصْفَهَا لَمَا تَحَدَّثَ عَنْهَا. إِذَا اشْتَرَى قَمِيصًا قَالَ إِنَّهُ عَادَ مِنْ بَارِيسَ، وَإِذَا اسْتَدَانَ دِينَارًا قَالَ إِنَّهُ يُجَرِّبُ نِظَامًا مَصْرِفِيًّا جَدِيدًا. وَكَانَ يُكَرِّرُ دَائِمًا: ـ أَهَمُّ شَيْءٍ أَنْ أَمُوتَ وَأَنْتُمْ مَقْهُورُونَ مِنِّي. قَالَ نَاصِرٌ: ـ وَلِمَاذَا تُرِيدُ قَهْرَ النَّاسِ؟ ـ لِأَنَّ الإِنْسَانَ السَّعِيدَ يُزْعِجُ الآخَرِينَ. ـ وَهَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ؟ ـ أَكْثَرُ مِمَّا تَتَصَوَّرُ. ـ إِذَنْ لِمَاذَا تُخْبِرُنَا بِذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا. مَرَّتِ السِّنُونَ وَكَبُرَتْ أَكَاذِيبُهُ. وَفِي مَسَاءٍ شِتَوِيٍّ قَالَ فِي المَقْهَى: ـ ثَرْوَتِي بَلَغَتْ مُسْتَوًى لَا أَسْتَطِيعُ حِسَابَهُ. فَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُالجَلِيلِ: ـ بَلِ الفُقَرَاءُ الكَذَّابُونَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَتْرُكُونَ أَدِلَّةً. ضَحِكَ الجَمِيعُ، وَغَادَرَ فَاضِلٌ صَامِتًا. بَعْدَ أَيَّامٍ مَاتَ. وَعِنْدَمَا فَتَحُوا غُرْفَتَهُ لَمْ يَجِدُوا ثَرْوَةً، وَلَا عُقُودًا، وَلَا خَزَائِنَ. وَجَدُوا فَقَطْ مِرْآةً قَدِيمَةً مُتَشَقِّقَةً، وَوَرَقَةً مِنْ دَفْتَرٍ قَدِيمٍ تَحْتَ وِسَادَتِهِ، كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطِّ يَدِهِ: "نَجَحْتُ فِي إِقْنَاعِ الجَمِيعِ بِأَنِّي سَعِيدٌ... إِلَّا الرَّجُلَ الَّذِي يَنَامُ عَلَى هَذِهِ الوِسَادَةِ، وَعَلَى هَذَا السَّرِيرِ بِالذَّاتِ." وَعِنْدَهَا فَقَطْ عَرَفَ أَهْلُ الحَيِّ أَنَّ فَاضِلًا لَمْ يَمُتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ... بَلْ كَانَ مَيِّتًا مُنْذُ سِنِينَ، يَوْمَ بَدَأَ يَكْذِبُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَنَامُ عَلَى تِلْكَ الوِسَادَةِ....!!


بقلمي

د.عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

9.يوليو.تموز.2026م.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

غاليتي.. قصيدة للشاعر السوري علي مهنا

جنوبي الهوى قلبي ..نص للشاعر ناصر علي نصر الله من لبنان