ألبوم الكراهية .. قصة قصيرة للكاتب أسعد الدلفي من العراق

 ألبوم الكراهية


 تتصاعد خيوط الدخان الأزرق الرمادي من بين أصابعه الخمسينية، تتلوى في فضاء الغرفة الشاحبة كأرواحٍ حائرة تبحث عن مخرج. جلس متكئاً على أريكته العتيقة، والصمت من حوله ثقيلٌ كجثة أمامه، على طاولة خشبية قشرتها الرطوبة، يرقد ألبوم صورٍ قديم، غلافه الجلدي المتآكل يشبه إلى حدٍّ بعيد ملامح وجهه, التي حفرت فيها الخيبات أثلاماً عميقة.

بيدٍ ترتجف قليلاً، قلب الصفحة الأولى. هبّت من المربعات الورقية رائحة زمنٍ مضى، ومعه انفتحت في صدره هوة سحيقة من المشاعر المكتومة. حدق في الوجوه الشابة الضاحكة في الصور، وشعر بمرارةٍ تملأ حلقه. لم تكن مجرد ذكريات، بل كانت تشريحاً لروحٍ أثقلها الوجود.


أخذ نفساً عميقاً من سيجارته، ونفثه ببطء وهو يتأمل سواد الليل من النافذة، وبدأت الأفكار تتدفق في عقله والقلم والورقة قربه ليخط بها افكاره: «سأحاول الليلة أن أخطّ شيئاً عن الكراهية... لا كباقة طيشٍ عابرة أو انفعالٍ مؤقت، بل كجرحٍ غائرٍ في أعمق زوايا نفسي، يأبى الالتئام ويسخر من محاولات النسيان.


أنا الذي أوقدتُ من دمي وشبابي شمعةً في عتمة سنوات الحصار العجاف؛ تلك السنين التي طحنت عظامنا بلا رحمة، وعصرت أرواحنا تحت وطأة ضغطٍ نفسي ومادي رهيب، كاد يودي بما تبقى من إنسانيتنا لولا سحائب رحمة الله التي ظللتنا وسط ذلك الهجير الخانق.


أقلب الصفحة... فتلوح لي أشباح الماضي. تباً، كم أكره طاغية الأمس! ذلك القابع في جلباب بدلتِهِ الزيتونية الكئيبة، الذي عاث في الأرض خراباً، واسترخص دماءنا، فحرث البلاد بالحروب العبثية، وزرع أرضها بالمقابر، ومضى يجرّ هذا الوطن المنكوب إلى دواماتٍ من الهلاك لا قاع لها. لكن الأشد إيلاماً لنفسي، والأكثر إثارةً لاشمئزازي، هم أولئك الذين يحنّون اليوم إلى زمانه الأغبر. تباً لتلك العقول المتعفنة التي تشتاق إلى جلادها، وتتغنى بقيدها بعد أن تذوقت طعم الحرية، كأنما خُلقت لتعيش في الأسر!


إنني أتحسس مواضع القهر في قلبي؛ أكره كل من تنازل عن كرامته وإنسانيته ليصنع من بشرٍ فانٍ، يمرض ويموت، إلهاً يُعبد. أكره كيف يغلّفون خنوعهم المتأصل بطقوسٍ جوفاء تحت مسميات التقديس والتبجيل؛ فالأحرار حقاً لا يركعون إلا لخالقهم.


تتحرك أصابعي لتلمس صورةً جماعية قديمة، فأرى وجوه النفاق الطافية على السطح الآن. أكره هؤلاء الفاسدين الذين تكالبوا على خزائن البلاد كجرادٍ جائع، فقضموا مقدرات الوطن، وامتصوا دماء الفقراء برداءة منقطعة النظير، وما استيقظت ضمائرهم الميتة حتى يومنا هذا.

وأكره معهم كل أحمقٍ أثيم، لم يملك يوماً وعياً ولا فكراً، بل ساقته صدفةٌ تاريخية عمياء ليكون في صدارة النخبة، يتحكم بمصير هذه الأمة المعذبة ويقود دفتها برعونةٍ وجَهل مُطبق.

ينتهي التبغ، فيشعل سيجارة أخرى من رماد الأولى، ويوجه نظراته نحو الأفق البعيد، حيث تتجاوز الكراهية حدود الذات والوطن.


تتمدد هذه الكراهية في دمي، تسري كسمّ بطيء لتصل إلى أمريكا؛ أسّ الخراب في هذا العالم، وعرّابة الدمار، والمخطِط الأكبر لكل فتنةٍ طائفية أو سياسية تمزق أشلاءنا. وأكره معها تل أبيب؛ ذلك الكيان المسخ، وبيت الشيطان الذي نُسجت في دهاليزه المظلمة كل خيوط الغدر والمؤامرات ضد إنسان هذه الأرض.


أغلق العجوز الألبوم بقوة، فأحدث صوتاً كتم جلبة الذكريات في الغرفة. نفث السحابة الأخيرة من سيجارته، وأسند رأسه إلى الخلف، مغلقاً عينيه المتعبتين... همس في سريرته بنبرة انكسارٍ أخير: "يبدو أن قائمة كراهيتي معبأة بالمرير من الذكريات... قائمة سيكولوجية معقدة، لها بداية صاخبة بالألم، وليس لها في أفق هذا العمر نهاية.". 


بقلم الكاتب اسعد الدلفي 

الاحد 6 تموز 2026

العراق – بغداد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

غاليتي.. قصيدة للشاعر السوري علي مهنا

جنوبي الهوى قلبي ..نص للشاعر ناصر علي نصر الله من لبنان