الرجل ذو الذائقة الرفيعة .. قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر


 «لَا بَأْسَ إِنْ كُنْتَ لَا تُحِبُّنِي…

فَلَيْسَ لَدَى كُلِّ النَّاسِ ذَائِقَةٌ رَفِيعَة.»


قَوْلٌ مَأْثُور


قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ


الرَّجُلُ ذُو الذَّائِقَةِ الرَّفِيعَةِ...!!.


فِي الْمَقْهَى الْقَدِيمِ الْقَرِيبِ مِنَ النَّهْرِ، كَانَ يَجْلِسُ كُلَّ مَسَاءٍ فِي الزَّاوِيَةِ نَفْسِهَا، وَاضِعًا عَصَاهُ إِلَى جَانِبِ الْكُرْسِيِّ، وَكَأَنَّهَا شَاهِدٌ عَلَى زَمَنٍ انْقَرَضَ.


كَانَ اسْمُهُ الدُّكْتُورَ سَالِم.


رَجُلٌ تَجَاوَزَ السِّتِّينَ قَلِيلًا، يَرْتَدِي بَدَلَاتٍ أَنِيقَةً حَتَّى فِي أَشَدِّ أَيَّامِ الْحَرِّ، وَيَضَعُ عِطْرًا فَرَنْسِيًّا ثَقِيلًا يَسْبِقُ دُخُولَهُ بِثَوَانٍ.


بَعْضُهُمْ كَانَ يَرَاهُ مُثَقَّفًا كَبِيرًا.


وَبَعْضُهُمْ يَرَاهُ مُتَصَنِّعًا مُتَعَجْرِفًا.


أَمَّا هُوَ… فَكَانَ يَرَى نَفْسَهُ آخِرَ رَجُلٍ مُحْتَرَمٍ فِي مَدِينَةٍ فَقَدَتْ ذَائِقَتَهَا.


كَانَ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كُلَّمَا مَرَّ شَابٌّ يَحْمِلُ هَاتِفَهُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِكَلِمَاتٍ فَارِغَةٍ، ثُمَّ يَتَمْتَمُ:


— «يَا لِلْهَوْلِ… حَتَّى الضَّجِيجُ صَارَ رَخِيصًا.»


فِي الْبِدَايَةِ، أَحَبَّهُ رُوَّادُ الْمَقْهَى.


كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمُوسِيقَى الْكِلَاسِيكِيَّةِ، وَعَنْ أَثِينَا، وَعَنْ شَاعِرٍ رُوسِيٍّ مَاتَ جَائِعًا لِأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَمْدَحَ السُّلْطَةَ، وَعَنْ امْرَأَةٍ أَحَبَّهَا فِي فِيِينَا وَلَمْ تَغْفِرْ لَهُ كِبْرِيَاءَهُ أَبَدًا.


وَكَانَ حِينَ يَتَكَلَّمُ، يُنْصِتُ الْجَمِيعُ.


ثُمَّ… بَدَأَ شَيْءٌ مَا يَتَغَيَّرُ.


صَارَ يُصَحِّحُ أَخْطَاءَ النَّاسِ اللُّغَوِيَّةَ بِطَرِيقَةٍ جَارِحَةٍ.


يَسْخَرُ مِنْ رَبَطَاتِ الْعُنُقِ الرَّخِيصَةِ.


وَيَبْتَسِمُ بِازْدِرَاءٍ حِينَ يَسْمَعُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ إِنَّهُ يُحِبُّ الرِّوَايَاتِ الْأَكْثَرَ مَبِيعًا.


وَذَاتَ مَسَاءٍ، قَالَ لِشَابٍّ كَانَ يَتَحَدَّثُ بِحَمَاسٍ عَنْ كِتَابٍ جَدِيدٍ:


— «يَا وَلَدِي… لَيْسَ كُلُّ مَا يُطْبَعُ يُقْرَأُ.»


ضَحِكَ اثْنَانِ.


وَصَمَتَ الْبَاقُونَ.


وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَدَأَتِ الطَّاوِلَاتُ تَبْتَعِدُ عَنْهُ بِبُطْءٍ.


لَمْ يَحْدُثْ شِجَارٌ.


لَا أَحَدَ كَرِهَهُ عَلَنًا.


لَكِنَّ الْمَقْهَى تَعَلَّمَ كَيْفَ يُعَاقِبُهُ بِالصَّمْتِ.


صَارَ النَّادِلُ يَنْسَى طَلَبَهُ أَحْيَانًا.


وَصَارَ الدَّاخِلُونَ يُحَيُّونَهُ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ اقْتِرَابٍ.


حَتَّى ضَحِكَاتُهُ بَدَأَتْ تَرْتَطِمُ بِالْكَرَاسِيِّ الْفَارِغَةِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَيْهِ.


لَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ يَوْمًا بِأَنَّهُ تَأَذَّى.


بَلْ كَانَ يُعَدِّلُ جِلْسَتَهُ، وَيُشْعِلُ سِيجَارَتَهُ، وَيَقُولُ بِثِقَةٍ مَسْرَحِيَّةٍ:


— «لَا بَأْسَ إِنْ كَانَ الْبَعْضُ لَا يُحِبُّنِي… فَلَيْسَ لَدَى كُلِّ النَّاسِ ذَائِقَةٌ رَفِيعَة.»


ثُمَّ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةَ الْمُنْتَصِرِ.


لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ كَانَتْ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا.


فَالرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا تَمَامًا.


كَانَ ذَكِيًّا فِعْلًا.


وَقَارِئًا نَادِرًا.


وَيَمْتَلِكُ حِسًّا جَمَالِيًّا مُرْهَفًا بِشَكْلٍ مُوجِعٍ.


لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ دَاخِلَهُ خَوْفًا قَدِيمًا مِنْ أَنْ يُصْبِحَ عَادِيًّا… مِثْلَ الْجَمِيعِ.


وَلِهَذَا كَانَ يَتَصَرَّفُ كَمَنْ يَقِفُ دَائِمًا فَوْقَ مِنَصَّةٍ، حَتَّى وَهُوَ وَحِيدٌ.


فِي إِحْدَى لَيَالِي الشِّتَاءِ، انْقَطَعَتِ الْكَهْرَبَاءُ عَنِ الْمَقْهَى.


سَادَ الظَّلَامُ لِثَوَانٍ.


ثُمَّ أَضَاءَ أَحَدُهُمْ مِصْبَاحَ هَاتِفِهِ.


وَفِي تِلْكَ الْإِضَاءَةِ الْمُرْتَجِفَةِ، لَمَحَ النَّادِلُ الدُّكْتُورَ سَالِم جَالِسًا وَحِيدًا، يَظُنُّ أَنَّ لَا أَحَدَ يَرَاهُ.


كَانَ يُحَدِّقُ فِي الْفَرَاغِ بِعَيْنَيْنِ مُرْهَقَتَيْنِ، وَيَتَمْتَمُ بِصَوْتٍ مَكْسُورٍ:


— «غَرِيب…


كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَبْدُوَ أَكْبَر…


أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ وَحْدَةً.»


ثُمَّ انْتَبَهَ لِوُجُودِ النَّادِلِ.


فَعَادَ بِسُرْعَةٍ إِلَى ابْتِسَامَتِهِ الْقَدِيمَةِ، وَاعْتَدَلَ فِي جِلْسَتِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَتِهِ السَّاخِرَةِ الْمَعْهُودَةِ:


— «أَطْفِئْ هَذَا الضَّوْءَ يَا رَجُل…


فَالْوُجُوهُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تُحِبُّ النُّورَ.»


القاص


د. عبد الرحيم الشويلي


القاهرة


12.يوليو.تموز.2026م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلف الإعصار..نص للكاتبة منى الغجري من سورية

غاليتي.. قصيدة للشاعر السوري علي مهنا

جنوبي الهوى قلبي ..نص للشاعر ناصر علي نصر الله من لبنان