أرصفة باب المعظم .. قصة قصيرة للكاتب أسعد الدلفي من العراق
قصة قصيرة/ أرصفة باب المعظم
في شوارع بغداد القديمة، حيث يمتزج عبق الغبار الرطب برائحة التوابل العتيقة، كان سوق "باب المعظم" يئن تحت وطأة الظهر. لستُ هنا لأشتري زمناً، بل جئتُ أبحث عن شيءٍ بسيط يسدّ رمق الذاكرة؛ كيلو من الشاي الممزوج بالهيل، تلك الرائحة التي طالما رممت انكسارات الروح في غرف المنافي الباردة. إنه محاولة مستمرة لإقناع مرارة الحياة بأن تكون صالحة للاحتساء.
وسط صخب الباعة وجلبة المارة التي تشبه طنين النحل في خلية مهجورة، تجمّد الزمان فجأة... على ذلك رصيفٍ متهالك، كانت تقف هي. "إيمان".
إيمان التي تركتُها خلفي قبل اعوام لا تعدً. تلك الفتاة التي كانت يوماً ما شمس الكلية، يضجّ دربها بالمعجبين ويتحلق حول ظلها الطامعون بنظرة أو التفاتة. لكن التي تقف أمامي الآن كانها امرأة أخرى، امرأة خطّت الخيبات على وجهها دروباً من التعب، وترك الغياب على ملامحها ظلالاً رمادية مسروقة من غيوم الخريف البغدادي. كانت تسأل البقال بصوتٍ خفيض متعب: "هل لديك شاي ميري؟".
في تلك اللحظة، انفتحت في صدري فجوة زمنية ابتلعت ضوضاء السوق. عدتُ تسعة عشر عاماً إلى الوراء، إلى قاعة الدراسة الضيقة، إلى ذلك اليوم القاحل الذي وقفتُ فيه أمامها حاملاً فقر عائلتي وعسر حالي كدرعٍ بائس. تذكرت كيف قلت لها ببرودٍ مصطنع: "يجب أن نفترق.. لا مستقبل لنا معاً". تذكرت دموعها التي سقطت كجمرٍ على بلاط القاعة البارد، وكيف عجزت قلة حيلتي يومها عن تجفيف تلك الدموع.
التفتت نحوي فجأة... تجمدت في مكانها كأنما رأت شبحاً انسلّ من مقابر الذكريات. اتسعت عيناها، وتلاقت نظراتنا لتصنع برزخاً من الصمت وسط زحام السوق... بادرتُها محاولاً كسر هيبة الصمت المرعب: — كيف حالكِ؟
سكتت طويلاً، حدقت في تجاعيد وجهي وفي بياض شعري الذي نبت كالعشب البري على رأسي، ثم قالت بصوت يتهدج بالمرارة: يبدو أنك أصبحت عجوزاً..
ابتسمتُ لها بمرارة وحزن، وقلت: السنين مرت مسرعة يا إيمان.. لكنكِ ما زلتِ كما عرفتكِ قبل عشرين سنة.
لم تترك لي ترف المجاملة، بل صححت لي بدقةٍ موجعة وهي تحاول حبس ابتسامة تائهة: — بل كانت تسعة عشر سنة فقط.
هنا، هبط علينا صمتٌ مطبق. صمتٌ أثقل من سقف السوق القديم. في تلك الثواني الممتدة، مرّ شريط الحياة كعرضٍ سينمائي صامت وسريع؛ حافلات المصلحة، الدفاتر الممزقة، وعودنا التي تلاشت تحت عجلات القطارات الراحلة، وكل ما لم نجرؤ على قوله يوماً... كسرتُ الصمت متسائلاً بنبرة أقرب إلى التضرع: هل أنتِ بخير؟ نعم، الحمد لله.. وأنت؟ أنا بخير.. الحمد لله... صمتت قليلاً ثم أضافت بنبرة حاولت جعلها حيادية: — عندي ثلاثة أولاد.
شعرت بوخزة في أقصى جدار القلب، فدعوت لها بصدق: حفظهم الله لكِ ورزقكِ عافيتهم... عاد الصمت ليطبق على أنفاسنا مجدداً، لكنه هذه المرة كان يحمل عاصفة. نظرت إليّ بعينين تلمعان بدموع قديمة لم تجف أبداً، وقالت ببطءٍ شديد يمزق نياط القلب: لكن.. هل تعلم؟ كنتَ أنت أكبر خيباتي..
ترددت الكلمة في أذني كصدى جرس كنيسة مهجورة: أنا؟.. لقد فكرتُ بنضجٍ وقتها.. أردتُ لكِ أن تجدي حياة أفضل، حياة لا يفسدها فقري وقصوري... ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، مشوبة بأسى دفين، وقالت: ما زلتَ تتفلسف كعادتك.. تبرر الهروب بالحكمة....
قطع هذا النزف الداخلي صوت البقال الخشن وهو يقترب حاملاً علبة معدنية: ست الشاي جاهز.. هل اضعه في صندوق السيارة... أومأت له بامتنان، شكرته، وأعطته النقود. عاد الصمت الثالث، الصمت الذي يسبق الرحيل الأخير.
وفجأة، وسط ذهولي وضياعي، شعرت بيدين دافئتين تحضنان كتفي بقوة. كان صديقي، الشاعر "عبد"، بطلته المعهودة وفوضاه الجميلة. ابتعدتُ هي خطوة للوراء وأنا ما زلت معلقاً بنظراتها التي بدأت تنسحب ببطء... نظر إليّ "عبد" متفحصاً ملامحي المخطوفة، وقال بنبرة ملؤها التوجس: — ما بك يا صاحبي؟ تبدو كأنك ضائع.. كأنك خرجت للتو من حربٍ قديمة... لم أجب. التفتُّ لأبحث عنها، كانت قد بدأت تبتعد.. تمشي بخطوات وئيدة، مثقلة بحسرة تسعة عشر عاماً من الأسئلة المعلقة. التفتت التفاتة أخيرة، رمقتني بنظرة حزينة وعتاب، نظرة تقول كل شيء ولا تقول شيئاً، ثم تلاشت بين حشود البشر في باب المعظم.
بقيت واقفاً في مكاني، ممسكاً بكيس الشاي بالهيل، مدركاً في تلك اللحظة القاسية: أننا أحياناً نهرب من الفقر لنقع في فقر أشد فتكاً.. فقر الأرواح التي تشتري شاي الهيل لتستحضر نكهة غائبٍ لن يعود.
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الخميس 16 تموز 2026
العراق – بغداد – باب المعظم

تعليقات
إرسال تعليق