لو عاد لتشاجرت معه . قصة قصيرة للكاتب عبد الرحيم الشويلي من مصر
«الرَّجُلُ هُوَ آخِرُ شَيْءٍ تُفَكِّرُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْمَلَلِ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ.»
دوروثي باركر
قصة قصيرة
لَوْ عَادَ... لَتَشَاجَرْتُ مَعَهُ
تَتَسَلَّلُ الْبُرُودَةُ مِنْ شُقُوقِ النَّافِذَةِ، وَتَتَسَلَّلُ مَعَهَا عَشْرُ سِنِينَ مِنَ الصَّمْتِ. تَسْحَبُ الْعَجُوزُ الْكُرْسِيَّ الْمُقَابِلَ لَهَا، ثُمَّ تَبْتَسِمُ.
ـ تَعَالَ... تَأَخَّرْتَ كَعَادَتِكَ.
لَا يُجِيبُهَا أَحَدٌ.
تَصُبُّ فِنْجَانًا ثَانِيًا مِنَ الشَّايِ، ثُمَّ تَتَذَمَّرُ:
ـ لَا تَنْظُرْ إِلَيَّ هَكَذَا... أَعْرِفُ أَنَّ السُّكَّرَ زَائِدٌ، وَسَتُحَاضِرُنِي كَمَا كُنْتَ تَفْعَلُ دَائِمًا.
يَنْهَضُ صَوْتُهُ مِنْ ذَاكِرَتِهَا وَاضِحًا:
ـ لَوْ كُنْتِ تُحِبِّينَنِي نِصْفَ حُبِّكِ لِلسُّكَّرِ، لَعِشْتُ مِئَةَ عَامٍ.
تُقَهْقِهُ.
ـ وَأَنْتَ لَوْ كُنْتَ تُصْلِحُ الصُّنْبُورَ قَبْلَ إِلْقَاءِ الْخُطَبِ، لَمَا غَرِقَ الْمَطْبَخُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
يَعُودُ صَوْتُهُ:
ـ الْغَرِيقُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ زَوْجُ امْرَأَةٍ لَا تَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا مُخْطِئَةٌ.
تَرْفَعُ إِصْبَعَهَا نَحْوَ الْفَرَاغِ:
ـ اسْمَعْ... أَنَا لَمْ أَكُنْ نَكِدَةً... كُنْتُ أُدَرِّبُكَ عَلَى الصَّبْرِ.
وَيَرُدُّ، كَمَا كَانَ يَرُدُّ دَائِمًا:
ـ وَأَنَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي مُتَزَوِّجٌ... ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنَّنِي مُتَطَوِّعٌ فِي دَوْرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ.
تَنْفَجِرُ ضَاحِكَةً... حَتَّى تَدْمَعَ عَيْنَاهَا.
تَمْسَحُ دُمُوعَهَا وَتَهْمِسُ:
ـ أَتَعْرِفُ؟ كُنْتُ أَنْتَظِرُ خُرُوجَكَ كُلَّ صَبَاحٍ لِأَرْتَاحَ... وَأَنْتَظِرُ عَوْدَتَكَ كُلَّ مَسَاءٍ لِأَبْدَأَ الشِّجَارَ مِنْ جَدِيدٍ.
يَصْمُتُ الْكُرْسِيُّ.
تَنْظُرُ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
ثُمَّ تَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
ـ غَرِيبٌ... لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ هُدُوءَكَ أَبَدًا... لَكِنَّنِي لَمْ أَحْتَمِلْ غِيَابَهُ.
مَدَّتْ يَدَهَا نَحْوَ ظَهْرِ الْكُرْسِيِّ، وَمَسَحَتْ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، ثُمَّ هَمَسَتْ:
ـ لَا أَدْرِي... أَأَنَا الَّتِي افْتَقَدْتُكَ... أَمْ أَنَّ هَذَا الْكُرْسِيَّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَغْفِرْ لِي أَنَّنِي لَمْ أَجْلِسْ إِلَيْكَ يَوْمًا... بِلَا شِجَارٍ؟
تُطْفِئُ الْمِصْبَاحَ، وَتَتَّجِهُ نَحْوَ غُرْفَتِهَا.
وَقَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ الْبَابَ، تَلْتَفِتُ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْفَارِغِ وَتَقُولُ:
ـ غَدًا... سَأَدَعُكَ تَرْبَحُ آخِرَ جِدَالٍ بَيْنَنَا...
لِأَنَّنِي وَاللَّهِ تَعِبْتُ مِنَ الانْتِصَارِ...!.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
5.يوليو.تموز.2026م.
«الرَّجُلُ هُوَ آخِرُ شَيْءٍ تُفَكِّرُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْمَلَلِ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ عِنْدَمَا تَشْعُرُ بِالْوَحْدَةِ.»

تعليقات
إرسال تعليق