القنديل . قصة قصيرة للكاتب سليمان دغش من فلسطين

 القِنديـــــــل / سليمان دغش


أتَذَكَّرُ القِنديلَ في بَبتي العَتيقِ مِنَ الطُفولةِ يومَ أنَ   

فَتَّحتُ أولَ مَرَّةٍ عَيْنَيَّ، كانَ مُعَلَّقا كالمَزهَرِيَّةِ 

فوقَ حائِطِ غُرفتي، لا وردةٌ فيهِ سوى لَهَبِ الفَتيلَةِ خافتاً 

خلفَ الزُّجاجَةِ، يبعَثُ النورَ البَهِيَّ بما استطاعَ فَتيلُهُ

 منِ شهوَةٍ للنّارِ تُشعلُهُ فيَملأ غُرفتي بالنورِ، 

يؤنِسُ وِحدَتي في ليْلِ أسئلتي الطَّويلِ فإنْ غَفَوتُ

 يَظَلُّ يَرقُبُني إلى أنْ تَنعَفَ الشَّمسُ البَهِيَّةُ شَعرَها الذَّهَبِيَّ يَلمَعُ 

في السّماءِ فيُطفِئُ القِنْديلَ فائضُ نورها حتّى 

ولو ما زالَ فيهِ الضّوءُ مُنْبَعِثاً كَئيباً لا يُرى

كانَ السِّراجُ كما نُسَمّيهِ هنا أبهى وأجمَلَ تُحْفَةٍ 

في البَيتِ، كانَ الضوءُ فيهِ خافِتاً يوحي بِبَعْضِ الحُزنِ 

في لَهَبِ الفتيلَةِ، كانَتِ الريحُ الخَفيفَةُ تستَفِزُّهُ

 أو تداعِبُهُ بما مَلَكَتْ يداها من ألاعيبِ الهواءِ، 

تُراقِصُ اللَّهَبَ الحَزينَ كما يَشاءُ لها الهوى، 

فَتَظُنُّ أنَّ النورَ يَرقُصُ منْ وراءِ زُجاجةِ القِنديلِ

 مُحْتَفِياً بأنثى الرّيحِ تتقِنُ رَقْصَةَ الباليهِ، حتّى تسأَمَ

 الرّيحُ الخَفِيَّةُ رَقْصَها فَتَضُّبُ قَبضَتَها على الرّيحِ الخَفِيَّةِ

 إذ تُجَرْجِرُ ذَيلَها لتَعودَ للشُّبّاكِ هادِئَةً تراقِبُ مِثْلَ 

جاسوسٍ تَخَفَّى ما يَدورُ بغُرفتي،

 فَلَرُبَّما عادَتْ إلى القِنديلِ ثانِيَةً تُحاوِلُ أنْ تُداعِبَ

شُعلَةَ النارِ الكَسولَةَ، كُنتُ أخشى الريحَ 

أنْ تَشتَدَّ فوقَ تَحَمُّلِ النّارِ الضَّعيفَةِ في الذُّبالةِ، 

كمْ تُحاوِلُ أنْ تُقاوِمَ هَبَّةَ الرّحِ القَوِيّة كيْ 

تواصِلَ ضوأَها، عَبَثاً فيَخبو الضوءُ في القنديلِ،

 تَهرعُ عندَها أمّي لِتُشعِلَهُ بعودٍ من ثِقابٍ لا يُفارِقُ 

جَيْبَها، تمضي إلى شُبَّاكِنا الخَشَبيِّ تُغْلِقُه،

 وكنّا آنَذاكَ على بَساطَتِنا وطيبَتِنا البَريئَةِ نتْرُكُ الشُّباكَ مفتوحاً إ

لى فَصلِ الشِتاء، 

ولم نكُنْ أبَداً لنُغلِقَ بالمفاتيحِ الكَبيرَةِ بابنا الخَشَبِ

يَّ أزرَقَ مثلُ لونِ سَمائنا

اتَذَكَّرُ القنديلَ، كانَ رَفيقِيَ الليلِيَّ في سَهَري الطّويلِ 

فكمْ منَ الكُتُبِ القَديمَةِ والرِّواياتِ الجَميلةِ 

والرسالاتِ التي كُنا نُخَبِّئُها مخافةَ أنْ يَراها الوالدانِ 

فَيَكْشِفا سرَّ الغرامِ على رسائِلِنا، فخَبَّئنا الرسائلِ 

في كتابٍ لا يُفارِقُنا

 أحِنُّ إلى سِراجِيَ خافِتَ الضوءِ الحزينِ رَفيقَ 

ليلِ طفولتي وونيسَ مشواري الشَّقِيِّ، طُفولَتي الأولى، مُراهَقتي المُثيرَة

 في صبايَ ولَهفَتي وجنونِ عاصِفتي

 إذا جُنَّ الهوى

وتَعودُني الذّكرى وللذكرى نَوافِذُ كي نُطِلَّ 

على تفاصيلِ الحكايَةِ منْ بدايَتها التي ليستْ تموتُ

 مع التقادُمِ أو مرورِ الوقتِ، نَفْتَحُها فيَتَّسِعُ المَدى 

وَتُحَلِّقُ الرّوحُ الشَّريدَةُ في فضاءِ الزُّرقَةِ الأبَدِيِّ، 

إنَّ دَليلَها سِربُ الفراشاتِ التي احتَرَقَتْ حَشاشَتُها 

على قنديلِ جَذوَتِها التي لمْ تَنطَفئْ يوماً، 

يكادُ الشَّوقُ يَقْتُلُها فَيُحْييها على رَمَقٍ، لتُكْمِلَ حُلْمَ 

عَودَتِها البَعيدِ على حُدودِ المُستَحيلِ، 

فَمَنْ سوى الضُّعَفاء والجُبَناءِ آمَنَ لَحْظَةً بالمُستَحيلِ،

 تَعودُني الذّكرى فَيوجِعُني الحنينُ إليكِ، 

أفرِدُ جانِحَيَّ على مِساحَةِ جِسمِكِ المنحوتِ طولاً

 بَيْنَ ماءِ البَحرِ حتّى ضِفَّةِ النَّهرِ الذي ما زالَ يَذكُرُنا

 وَيَذكُرُ دَمعَنا وَعَويلِ نِسوَتِنا على الجِسرِ العَتيقِ،

 أما مَلَلتَ مِنِ انتِظارِكَ خُلْمَ عودَتِنا البعيدِ 

كنَجمةٍ يَئِسَت فغادَرَتِ المَجَرَّةَ كُلَّها، يا جِسْرَ عَوْدَتِنا 

وفاصِلَةَ الحِكايَةِ كلّها، بَيْنَ الحَياةِ هُناكَ والمَوْتِ البَطيء كَسُلحُفاةٍ تُبطئُ 

الخَطَواتِ في صَحراءَ شاسِعَةِ السَّرابِ والاغتِرابِ نتوهُ خلفَ سَرابِها 

وسَرابِ رؤيَتِنا على تيهِ الرؤى

ما أبعَدَ الحُلُمَ الذي أَنِسَتْ بهِ أرواحُنا فاستَسْلَمتْ لِمَنامِها

لِتَظَلَّ تَحْلُمُ ثمَّ تحلُمُ أنّها حَلِمَتْ فَتَحْلُمُ، 

آهِ يا حُلُماً نَطوفُ على جَناحَيهِ ونَفْتَقِدُ المِظَلَّةَ 

كيْ نحُطَ ولو قَليلاً فيكَ يا وَطَني هُناكَ،

 تَعودُني الذّكرى أحاوِلُ أنْ ألَمْلِمَ ما تَيَسَّر منْ تَفاصيلِ الشّوارِدِ

 في جُنونِ هواجِسي ورؤايَ أبعَدَ مِنْ مَدايَ 

فأستَرِدُّ بكُلِّ ما أوتيتُ منْ وَلَهٍ بذاكِرَتي 

وللذِّكرى نَوافِذُ قد تَرُدُّ الرّوحَ للجَسَدِ الكَسيرِ، أسيرِ رغبَتِها، 

إرادَتِها وشَهوَتِها، فَتُحييهِ على عَجَلٍ لِيَبدأَ منْ جَديدٍ 

رِحْلَةً بَيْنَ الحَياةِ وبَيْنَ بَينِ المَوتِ في النّسيانِ واليأسِ الخَفيِّ 

على طَريقِ الناصِرِي إلى قِيامَتِهِ، 

ونافِذَةٌ تُعيدُ الرّوحَ منْ هَذَيانِها العَبَثِيِّ في اللاوعْيِ 

إنَّ الوَعْيَ مُفتَتَحُ البِدايةِ، إنْ وثَقتَ لجامَها وَهَبَتكَ

 مِفتاحَ النّهايَةِ لامَحالةَ فامتَلِكْها، دَعْ لوَعْيِكَ فُرْصَةَ 

التأويلِ واستِشرافِ مَجرى الرّيحِ، وجهَتها وكُنْ حَذِراً 

فإنَّ الرّيحَ ماكِرَةُ الطّبائِعِ، كنْ أشَدَّ الماكرينَ لها، 

وثِقْ بالوَعيِ، وَعْيِكَ أنتَ، لا وحيٌ سَيَهبِطُ من سمائكَ

 أو سماءِ الحُلمِ، لا رؤيا تُبَشِّرُ بالقيامَةِ، لا مَعاجِزَ 

لا خُرافَةَ، كُلُّها ذَهَبَتْ إلى مُستَوصَفِ الذّكرى، 

وأنتَ الآنَ وحدكَ في الطَّريقِ إليْكَ أنتَ، 

فأنتَ مُبتَدَأُ البِدايَةِ في الحِكايَةِ مُنذُ أوَّلِ خُطوَةٍ 

في الرّيحِ، إذْ صَدَّقْتَ وَعْدَ العَوْدَةِ الوَهْمِيِّ

 في مِذياعِنا العَرَبِيِّ وَيْحَكَ كانَ ذاكَ مكيدَةَ الذّئبِ 

البَريء وَجُبَّ يوسُفَ، أنتَ فيهِ الآنَ تَصْرُخُ تَستَغيثُ

 فَمَنْ سَيلقي حَبْلَهُ في الجُبِّ كيْ تنجو، ولا تُجَّارَ تَعبُرُ أرضَ كِنعانَ

 القَديمَةِ لا تَثِقْ إلّا بِنَبضِكَ، لا تَدَعْ للرّيحِ مهما اشتَدَّ 

عَصفُ جُنونِها الهَمَجِيّ أنْ تثني وَتَحْرِفَ خَطَّ بوصَلَةِ الطَّريقِ، لَرُبَّما 

طالَ الطَّريقُ الصَّعبُ أكثَرَ، كُنْ على ثِقَةٍ وَلو أخطأتَ

 أنَّكَ كُنتَ مُبتَدَأَ ال


حِكايَةِ مِنْ بِدايَتِها وأنَّكَ أنتَ، 

لا أحَدٌ سواكَ سيَكْتُبُ الفَصلَ الأخيرَ بِحِبرِهِ الدَمَويِّ 

ثُمَّ يُقِرَّ شَكلَ الخاتِمَــــــةْ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

غاليتي.. قصيدة للشاعر السوري علي مهنا

ضيف ثقيل..نص للكاتب سامي أبو شهاب من الأردن

جنوبي الهوى قلبي ..نص للشاعر ناصر علي نصر الله من لبنان